د. أحمد الخضر مقعاس – مهارات الإصغاء

نبذة عن الكاتب

الأستاذ أحمد الخضر مقعاس هو مدرّب تربوي من اليمن يعمل مع وزارة التربية والتعليم والمجلس الثقافي البريطاني منذ عام 2007. وخلال مسيرته المهنية، ساهم في العديد من رحلات تطوير المعلمين، حيث ركّز على تدريب معلمي اللغة الإنجليزية وإعداد مدربين جدد لنقل أحدث المنهجيات التعلّمية المبنية على البحث العلمي. وقد تمحور عمله بشكل مستمر حول تعزيز قدرات المعلمين من خلال تيسير منظم وتنمية مهنية مستدامة.

تعرّف الأستاذ أحمد على إطار FIRST-ADLX خلال مشاركته في برنامج ROOTS، حيث تم اختياره كمستشار تعلّم ممثلًا لليمن. وقد صُممت رحلة التعلّم عبر ثلاث مراحل: ما قبل الرحلة، الرحلة، وما بعد الرحلة، مقدمًا تجربة معايشة متكاملة للمتعلم. وخلال هذه الرحلة، عاش تجربة تفاعلية قائمة على التلعيب ضمن إطار FIRST، مما مكّنه من استيعاب مجالاته ومبادئه من خلال الممارسة والتأمل.

نبذة عن رحلة التعلم

شارك في رحلة التعلم مجموعة من أساتذة الجامعات والمدرسين والمحاضرين المتخصصين في تيسير تعلّم اللغة الإنجليزية. وقد تمثّل التحدي الرئيسي لدى المشاركين في محدودية إدراكهم لمهارة الاستماع بوصفها مهارة نشطة قابلة للتيسير وذات أثر عميق. إذ كان الاستماع غالبًا ما يُتجنب أو يُتناول بشكل سطحي، مما انعكس سلبًا على الممارسات داخل غرف التعلّم والتواصل الإنساني. ومن هنا برزت الحاجة إلى إعادة تموضع الاستماع ككفاءة إنسانية ومهنية أساسية، بدلًا من اعتباره مهارة سلبية.

تصميم تجربة المعايشة وتسلسل الأنشطة

اختار الأستاذ أحمد إطار FIRST-ADLX لما يتميز به من بساطة ومرونة وارتباط وثيق بأحدث الأبحاث التربوية. وعلى الرغم من أنه يعكس العديد من الفلسفات التي سبق له التعرف عليها من خلال المجلس الثقافي البريطاني، إلا أنه يتميز بتصميمه المنظم والمبدع، والذي يضمن أن كل خطوة تيسير تحمل هدفًا واضحًا وتسهم في بناء تجربة معايشة المتعلم النشطة العميقة.

قام الأستاذ أحمد بتصميم مخرجات التعلم التالية:

المخرجات الوجدانيّة:

أن يقدّر الاستماع بوصفه ممارسة إنسانية قائمة على التعاطف

أن يثمّن البعد العاطفي في التواصل والعلاقات

لمخرجات المهاريّة:

أن يطبّق استراتيجيات الاستماع النشط والتعاطفي في السياقات المهنية والشخصية

أن يُظهر مهارات الاستماع من خلال السلوكيات اللفظية وغير اللفظية

المخرجات المعرفيّة:

أن يعرّف الاستماع النشط ومستوياته المختلفة

أن يشرح دور الاستماع في تحقيق تواصل فعّال

تألفت رحلة التعلم من لقاء حضوري واحد، وتضمّن مجموعة متنوعة من الأنشطة التعلمية وأنشطة المعايشة. وقد اتبع اللقاء تسلسلًا تدريجيًا يبدأ من الوعي وينتقل إلى التطبيق، مع تنويع مقصود في الأنشطة للحفاظ على التحفيز والانتباه. كما كانت الأنشطة مترابطة ومنظمة منطقيًا، وتم تعزيزها باستمرار من خلال المراجعة النشطة، مما ساهم في تحقيق الانسجام والعمق. وقد راعى التصميم مستويات الطاقة لدى المشاركين، مع تعزيز التفاعل والاندماج والشعور بملكية التعلم.

نشاط تعلمي باستخدام نموذج RAR

تفاعل المشاركون في نشاط تفاعلي يهدف إلى معايشة الاستماع بما يتجاوز المستوى السطحي للتواصل. في مرحلة زيادة الجاهزية، زُوّد المشاركون بتعليمات واضحة ومحفزات تأملية ساعدتهم على توجيه انتباههم نحو المعنى الأعمق للاستماع. وقد ساهمت هذه التهيئة في إحداث تحول في طريقة التفكير، مما أتاح للمشاركين دخول النشاط بانفتاح ووعي، والاستعداد للتفاعل ليس فقط مع الكلمات، بل مع المشاعر والمعاني الكامنة.

في مرحلة تيسير النشاط، اندمج المشاركون في تفاعلات منظمة استمعوا خلالها لبعضهم البعض بانتباه، مع ملاحظة نبرة الصوت ولغة الجسد والإشارات العاطفية. وقد حافظ الميسر على سير النشاط من خلال طرح أسئلة تحقق مثل: “ماذا يحدث في هذا التفاعل؟” و”ما الذي يجعل هذا الاستماع فعالًا أو غير فعال؟”. وأسهم هذا التحقق المستمر في زيادة وعي المشاركين بسلوكياتهم أثناء الاستماع. كما حرص الميسر على استدامة التفاعل من خلال التنقل بين المشاركين، وتقديم الدعم، وتشجيع المشاركة المتكافئة، مما عزّز التفاعل الفردي وديناميكيات المجموعة.

أما في مرحلة المراجعة النشطة، فقد تأمل المشاركون في تجربتهم، وحددوا كيف تطور فهمهم للاستماع ليتجاوز مجرد استقبال المعلومات. وأدركوا أن الاستماع الفعّال يتطلب حضورًا وتعاطفًا وانتباهًا مقصودًا. وربطوا هذا الإدراك بأدوارهم كمربين ومتواصلين، مع وعي بأثر الاستماع على العلاقات، وديناميكيات الصف، وتفاعل الطلاب. وفي ضوء ذلك، عبّر المشاركون عن كيفية تطبيق هذه المفاهيم في ممارساتهم التيسيريّة وتفاعلاتهم اليومية، مما يعكس تحولًا واضحًا نحو تواصل أكثر وعيًا وتعاطفًا.

مجالات فيرست في التطبيق

– التركيز على المتعلم

حافظ الميسر على تركيز عالٍ على المشاركين من خلال إشراكهم الفعّال في جميع مراحل رحلة التعلم. وقد أُتيحت الفرص لكل مشارك للمساهمة والتأمل والتفاعل انطلاقًا من خبراته الخاصة. كما ساهمت عمليات التحقق والملاحظة المستمرة في تقييم الفهم وتوجيه المسار. وظهر مبدأ الثقة في المتعلم من خلال إتاحة المساحة لهم للتعبير والتفسير وتطبيق المفاهيم ضمن سياقاتهم الخاصة.

– التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة

صمم اللقاء كمساحة تفاعلية اجتماعية يشعر فيها المشاركون بالراحة والتقدير. وحافظ الميسر على روح إيجابية من خلال التشجيع، وتقبل جميع المشاركات، والتعامل البنّاء مع الأخطاء. كما ساهم تنوع الأنشطة ودعم الميسر في تعزيز التحفيز والانتباه، مما أسهم في خلق بيئة تعلم تعاونية قائمة على الاحترام.

– مراجعة الأنشطة – نموذج RAR

تم توظيف نموذج RAR بشكل متكامل خلال اللقاء، حيث تم تهيئة المشاركين قبل الأنشطة، ودعمهم أثناء التنفيذ، ثم توجيههم نحو تأملات ذات معنى بعد الانتهاء. ولم تكن المراجعة النشطة مرحلة منفصلة، بل عملية مستمرة ساعدت المشاركين على تعميق فهمهم، وتعزيز تعلمهم، وربط تجربتهم بتطبيقات واقعية.

– التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة

اتبع اللقاء تسلسلًا واضحًا ومقصودًا، حيث انتقل من المفاهيم البسيطة إلى التطبيقات الأكثر تعقيدًا. وتميز اللقاء بتنوع الأنشطة مما حافظ على الطاقة والاندماج، مع تعزيز المفاهيم الأساسية بطرق متعددة دون إحداث ملل. كما قام الميسر بإبراز الروابط بين الأنشطة لضمان الاتساق وتعميق الفهم.

– تحويل التعلم إلى أداء واقعي ملموس

شجع الميسر المشاركين على ربط ما تعلموه بأدوارهم الواقعية كمربين وأفراد. وأتاح لهم فرصة معايشة الاستماع وممارسته بشكل عملي، مما قاد إلى تأملات فورية وتطبيقات مباشرة. وقد ظهر استعدادهم لهذا التغيير من خلال إعادة تفكيرهم في ممارساتهم التواصلية، والتزامهم بتطبيق ما تعلموه في حياتهم المهنية والشخصية.

الخاتمة

ظهر أثر رحلة التعلم بوضوح من خلال مستوى اندماج المشاركين وعمق تأملاتهم. فقد أظهر المشاركون تحولًا ملحوظًا في تصورهم لمهارة الاستماع، حيث انتقلوا من النظر إليها كمهارة سلبية إلى إدراكها ككفاءة إنسانية نشطة قائمة على التعاطف وذات أثر جوهري. ولم يكن هذا التحول مفاهيميًا فحسب، بل انعكس أيضًا في التطبيق العملي، حيث بدأ العديد من المشاركين في توظيف ما عاشوه مباشرة في سياقاتهم المهنية والشخصية.

وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في أصوات المشاركين أنفسهم. فقد أشارت الأستاذة راضي عبدو سعيد قاسم إلى أن المعايشة أعادت تشكيل نظرتها لتيسير التعلّم والتفاعل، موضحةً أن كون المعلم مبدعًا ومتعدد المهام يمثل تحديًا، إلا أن هذا اللقاء أثبت إمكانية تعلّم الاستماع التعاطفي. وأكدت أن الاستماع يتجاوز فهم المعلومات ليصل إلى فهم الآخرين والشعور بهم، مما يعزز العلاقات ويحسن جودة التواصل.

كما وصفت منى عبد الرحمن هاشم اللقاء بأنه لقاء متكامل يجمع بين البحث والتطبيق، مشيرةً إلى أنه قدّم لها لحظات إدراك عميقة وسّعت فهمها للاستماع كمهارة إنسانية، وليس مجرد مهارة مهنية. وأكدت أن التواصل يصبح ذا معنى عندما يشعر المتحدث بأنه مفهوم ومحترم، مع إبراز أهمية لغة الجسد في إظهار الاستماع الحقيقي.

أما أمل فرحان، فقد عبّرت عن عمق التغيير الذي أحدثه اللقاء، حيث وصفته بأنه من أكثر اللقاءات فائدة وتأثيرًا، مشيرةً إلى أنه غيّر نظرتها السابقة لمهارة الاستماع، ودفعها لتطبيق ما تعلمته فورًا في تعاملاتها مع الطلاب وبيئة العمل، مما يعكس انتقالها من التردد إلى الثقة في فهم وتيسير مهارات الاستماع.

ومن جانب آخر، ركّز سميح علي أحمد السلمي على البعد الإنساني والعاطفي للقاء، واصفًا إياه بأنه لا يُنسى، حيث تعلم المشاركون كيف ينصتون بعمق ويفهمون مشاعر الآخرين، وكيف يمكن أن يكون التواصل من خلال الاستماع وليس فقط الحديث، مما يؤكد تحول الاستماع إلى تجربة معاشة.

وقد امتد هذا التحول إلى مستوى الهوية الشخصية، كما عبّرت عنه رنا المرفدي، التي وصفت المعايشة بأنها نقطة تحول في حياتها، حيث أعادت تعريف الاستماع ليس كفعل، بل كأسلوب حياة إنساني قائم على التعاطف والرعاية في التعامل مع الآخرين.

كما أكدت لويزا أحمد ناجي أن اللقاء غيّر مفاهيمها السابقة حول الاستماع، موضحةً أنه لا يقتصر على التقاط الكلمات، بل يشمل المشاعر والسلوكيات، وأصبح بالنسبة لها عادة يومية وليست مجرد مهارة.

وأخيرًا، أشارت الدكتورة لميس عبد الرحمن حسن عبد الله إلى أنها أصبحت تدرك أهمية البعد العاطفي في الاستماع، بعد أن كانت تركز سابقًا على الجانب التقني فقط، معبرةً عن نيتها دمج هذا الفهم في ممارساتها المستقبلية.

تعكس هذه الشهادات مجتمعة أن تجربة معايشة المتعلم لم تقتصر على اكتساب المعرفة، بل أسهمت في إحداث تحول في التفكير والسلوك والنوايا، حيث انتقل المشاركون نحو تواصل أكثر وعيًا وتعاطفًا وهدفًا، وهو ما يجسد جوهر تجربة معايشة المتعلم النشطة العميقة.

أما على مستوى الميسر، فقد عززت هذه الرحلة قناعته بفاعلية إطار FIRST-ADLX كمنهج عملي ومؤثر في التيسير، حيث أتاح له تصميم تجربة معايشة متمحورة حول المتعلم، يتم فيها تفعيل الاندماج والتأمل والتحول بشكل مستمر. كما عززت هذه الرحلة ثقته في استخدام الإطار ليس فقط كأداة تصميم، بل كفلسفة موجهة لإحداث أثر تعلمي عميق و مستدام وذو معنى.

Write a comment