المقدمة
نبذة عن الميسّر
الدكتور أحمد عبد الله أكاديمي سعودي متخصص في العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة. يدرّس مقررات العقيدة، ويشرف أكاديميًا على طلاب المنح الدراسية القادمين من سياقات متعددة ثقافيًا وفكريًا، مع اهتمام علمي خاص بقضايا الوسطية، وبناء الوعي العقدي، وتفكيك الشبهات المعاصرة.
انطلقت معايشته لإطار فيرست من حاجة عملية ملحّة لتجاوز النماذج التقليدية في تدريس العلوم الشرعية، خاصة عند التعامل مع متعلمين متنوعى الخلفيّات، حيث لمس في هذا الإطار قدرة واضحة على تحويل المحتوى العقدي من مادة معرفية إلى تجربة معايشة متعلّم نشطة عميقة، وتمكين المتعلم من التعلّم والتحليل بدل الاكتفاء بالتلقي.
التحدي أو المشكلة قبل رحلة التعلّم
قبل تصميم وتيسير رحلة التعلّم هذه، برزت تحديات جوهرية لدى طلاب المنح في مسار العقيدة، تمثلت في وجود التباس مفاهيمي حول معنى الوسطية: هل هي موقف شرعي منضبط؟ أم تسوية فكرية؟ أم خطاب توافقي بلا معايير واضحة؟ كما أدى التفاوت الكبير في الخلفيات العقدية والفكرية للطلاب القادمين من أكثر من ثلاثين دولة إلى صعوبة إدارة الحوار، وتباين الفهم للمفاهيم المركزية. واعتمد بعض الطلاب على إجابات جاهزة أو مواقف انفعالية متطرفة بين التشدد والتمييع، دون امتلاك ميزان علمي يضبط الحكم. إضافة إلى ذلك، ظهر ضعف في انتقال أثر المعلومة العقدية إلى الوعي والسلوك والخطاب الدعوي في واقعهم المحلي. تمحور التحدي المركزي حول سؤال جوهري: كيف يمكن أن نعلّم الوسطية والاعتدال لا بوصفها شعارًا، بل منهجًا عقديًا يُفكَّر به ويُحتكم إليه؟
سياق المتعلمين (برسونا المتعلمين)
تكوّنت الفئة المستهدفة من طلاب المنح الدراسية في مسار العقيدة، بعدد يزيد على خمسة وخمسين طالبًا، تتراوح أعمارهم بين عشرين وثلاثين عامًا. ينتمي هؤلاء الطلاب إلى أكثر من ثلاثين دولة، بما يحمله ذلك من تنوع ثقافي ولغوي ومذهبي، وتجارب متفاوتة مع الخطاب الدعوي، والجدل العقدي، وقضايا الغلو أو التمييع. حمل كثير منهم تصورات أولية شائعة قبل الزمالة، من أبرزها أن الوسطية تعني عدم التشدد، وأن الاعتدال هو تخفيف الأحكام، وأن الشبهة سؤال يجب الرد عليه فورًا، وأن الخلاف خطر ينبغي تجنبه. في العمق، كانت هناك حاجة غير معلنة إلى إطار منهجي يمنحهم طمأنينة فكرية، ووضوحًا في الحكم، وقدرة على التفكير دون خوف أو انزلاق نحو التطرف.
تصميم لقاء التعلم وتسلسل الأنشطة
لماذا إطار FIRSTedu-ADLX ؟
لم يرد د.أحمد أن تُبنَ رحلة التعلّم على محتوى تقليدي، بل على تصميم تعلّمي واعٍ يستجيب لخصوصية طلاب المنح. فاختار إطار FIRSTedu–ADLX لأنه يتيح الانتقال من التلقين إلى بناء الملكة، ومن عرض معلومات عن الوسطية إلى تمكين المتدرب من ميزان يزن به الأفكار، ومن خطاب محلي محدود إلى منهج عقدي صالح للاشتغال في سياقات عالمية. أتاح هذا الإطار جعل المتعلم شريكًا في بناء الفهم، لا متلقيًا سلبيًا للمعلومة.
مخرجات التعلم
مخرجات وجدانيّة (Attitude):
- أن يعزّز كل متدرب الشعور بالاطمئنان المنهجي في التعامل مع قضايا الخلاف العقدي.
- أن يرسّخ قيمة الوسطية بوصفها التزامًا عقديًا واعيًا لا موقفًا رماديًا.
مخرجات مهاريّة (Skills):
- أن يزن الأفكار والشبهات.
- أن يميّز بشكل ممنهج بين الاعتدال والتنازل، والحكمة والميوعة، والثبات والجمود.
- أن يحدّد متى يكون الجواب العلمي مطلوبًا، ومتى يكون ترك الجواب هو الجواب.
مخرجات معرفيّة (Knowledge):
- أن يعرّف مفهوم الوسطية باعتباره منهجًا عقديًا منضبطًا.
- أن يظهر فهمه العلاقة بين ضبط العقيدة وضبط الموقف وضبط الخطاب.
تسلسل الأنشطة ومنطق الرحلة
جاء تصميم رحلة التعلّم متدرجًا من المفهوم إلى الميزان ثم إلى التطبيق، ومن ضبط العقيدة إلى ضبط الموقف ثم ضبط الخطاب. روعي في التسلسل احترام تنوع الخلفيات، وإدارة مستويات الطاقة الذهنية، واعتماد أنماط تفاعل حوارية متعددة الجنسيّات، بما يعزز التعلم التعاوني، ويحوّل التنوع من عائق إلى قيمة معرفية.
نموذج تعلّم باستخدام RAR
مثال على نشاط تعلم رئيسي
في مرحلة زيادة الجاهزية، دُعي المشاركون إلى استحضار تصوراتهم السابقة حول مفهوم الوسطية، ومشاركة أمثلة من واقعهم الفكري والدعوي، في مناخ آمن يتيح التعبير دون أحكام مسبقة. أسهم ذلك في تهيئتهم ذهنيًا ونفسيًا للدخول في حوار أعمق حول المفهوم.
خلال تيسير النشاط، تفاعل المشاركون في مجموعات حوار متعددة الجنسيات، ناقشوا فيها قضايا عقدية واقعية، وتمت إدارة الخلاف بوصفه أداة تعلّم، مع التركيز على تقويم الفكرة لا الشخص. دعم الميسّر الحوار بأسئلة كاشفة، وساعد على تفكيك التصورات المسبقة وإعادة بنائها ضمن ميزان علمي منضبط.
أما في مرحلة المراجعة النشطة، فقد انتقل المشاركون من وصف ما ناقشوه إلى تأمل أثر هذا الفهم الجديد على تفكيرهم وخطابهم المستقبلي. تساءلوا: ماذا تغيّر في طريقة فهمنا للوسطية؟ وما دلالة ذلك في واقع مجتمعاتنا؟ وكيف سننقل هذا الميزان عند عودتنا إلى بلداننا؟
مجالات إطار FIRSTedu-ADLX في التطبيق
– التركيز على المتعلم
انطلقت الرحلة من خلفيات المتدربين العقدية والثقافية، وتم تفكيك تصوراتهم المسبقة قبل إعادة البناء، مع جعل المتدرب شريكًا في بناء التعلّم، لا مجرد متلقٍ للمحتوى.
-التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة
qيسّرت مجموعات حوار متعددة الجنسيات، وإدارة الخلاف بوصفه أداة تعلّم، وتحويل التنوع الثقافي والفكري من عائق محتمل إلى قيمة معرفية مضافة.
-مراجعة الأنشطة-نموذج رار
طبق نموذج رار بمراحله الثلاث (زيادة الجاهزيّة-تيسير النّشاط-المراجعة النّشطة) في مختلف الأنشطة التعلميّة، وركزت المراجعة النشطة على أسئلة تكشف التحول في التفكير لا الحفظ، مع مقارنة الفهم قبل الرحلة وبعدها، وتقويم الفكرة بمعزل عن الشخص.
-التسلسل والإنسيابيّة أثناء تجربة المعايشة
جاء التسلسل البنائي من المفهوم إلى الميزان إلى التطبيق، ومن ضبط العقيدة إلى ضبط الموقف ثم ضبط الخطاب، بما يعزز الفهم العميق والتدرج المنطقي.
-تحويل التّعلّم إلى آداء واقعي ملموس
تم التركيز على نقل أثر التعلم إلى الواقع، من خلال التساؤل حول كيفية عودة الطالب إلى بلده، وماذا سيقول وكيف سيقول، وكيف يواجه الغلو دون تفريط، والتمييع دون تشدد، والشبهات دون اضطراب.
الخاتمة والأثر
أثر التجربة على المتدربين
على المستوى المعرفي، أصبح مفهوم الوسطية أكثر وضوحًا بوصفه منهجًا عقديًا لا شعارًا عامًا، وأظهروا فهمًا للفرق بين الاعتدال والتنازل، الحكمة والميوعة، والثبات والجمود. وعلى المستوى المنهجي، امتلك المتدربون أداة وزن للأفكار والشبهات، فتعلمّوا متى يُجاب عن السؤال ومتى يكون ترك الجواب هو الجواب العمليّ. أما على المستوى الوجداني، فقد تكررت في الانطباعات مشاعر الدهشة الإيجابية، والإحساس بإعادة ترتيب الذهن، والتحرر من الحيرة الفكرية. من أكثر العبارات تكرارًا: «تعلمنا كيف نفكّر، لا ماذا نردّد»، و«الوسطية أصبحت ميزانًا لا موقفًا رماديًا. »
أثر التجربة على الميسّر
أكّدت هذه التجربة للميسّر أن إطار FIRSTedu–ADLX يمثل أداة فعّالة في ضبط النقاشات العقدية الحساسة، وتحويل تدريس العقيدة إلى تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة، تحترم التنوع، وتبني التعلّم، وتؤسس لخطاب وسطي واعٍ قابل للنقل عبر الثقافات.