حين زارنا حرف الألف – أ. جاكلين هيثم القادري

المقدمة 

جاكلين هيثم القادري معلمة ملهمة في بداية مسيرتها المهنيّة، لبنانية الجنسية، تعمل في مجال رياض الأطفال، وتتمحور قصتها تحديدًا حول تعلّم حروف الهجاء. وعلى الرغم من أنها لا تملك خبرة طويلة في هذا المجال، فإن انضمامها إلى رحلة التعلم التي عايشت فيها مفهوم تجربة معايشة المتعلم النّشطة العميقة ترك أثرًا بالغًا في مسيرتها المهنية. فقد فتحت لها هذه الرحلة آفاقًا جديدة، وأشعلت بداخلها الحماس لتطبيق أفكار تربوية كانت تدور في ذهنها لكنها لم تجرؤ على تنفيذها من قبل.

يتعلم الأطفال في صف أ. جاكلين الحروف العربية، لكن التحدي الرئيسي كان في إبقاء الأطفال متحمسين ومندمجين خلال لقاءات التعلم، مع مراعاة طبيعة سنهم الصغير، واحتياجاتهم الحسية والوجدانية. في ظل هذا التحدي، قررت المعلمة اعتماد التلعيب، والاكتشاف، والمشاركة النشطة، مستثمرة شغف الأطفال بالحركة والخيال لتصمم وتيسر تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة.

في روضة خاصة في لبنان، جمع صفها مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين ٤ و٥ سنوات، يتشاركون عالمًا مفعمًا بالألوان، تتوفر فيه أدوات متنوعة مثل البطاقات الكرتونية، المعجون، صناديق للفرز، ووسائل تشجيعية كالنجمات والملصقات. تتواصل المعلمة بشكل يومي مع الأهالي مما يؤمن مناخًا آمنًا وداعمًا لها وللأطفال، كما ينقل الأطفال تجربتهم الصفية إلى منازلهم بكل حماس.

تصميم اللقاء ومخرجات التّعلم

اختارت المعلمة إطار FIRST-ADLX لأنه وفر لها بنية مرنة عميقة تمكنها من تحويل كل لحظة صفية إلى تجربة معايشة حقيقية. فهي ترى أن هذا الإطار يجمع بين التفاعل، التنظيم، والربط بالحياة الواقعية، مما يجعله مناسبًا جدًا لطفل الروضة. وصممت مخرجات التّعلم على الشكل التّالي على أن تحققها تباعًا في لقاءات متتالية:

مخرجات التعلم:

  • وجدانية: 
  • أن يحب اللغة العربية 
  • أن يرتبط عاطفيًّا بالحرف 
  • أن يشعر بالإنجاز عند التعرف عليه.
  • مهارية:
  • أن يميَز الحرف بين مجموعة حروف 
  • أن يشكّل الحرف بالمعجون 
  • أن يفرز الكلمات حسب وجود الحرف.
  • معرفية: 
  • أن يتعرّف على شكل الحرف واسمه 
  • أن يميّز صوته 
  • أن يربط الحرف بكلمات وأسماء مألوفة.

 امتدت رحلة التّعلم على عدة حصص، كل حصة مخصصة لحرف هجائي واحد، وتم تنفيذ النشاطات بشكل متزامن وحضوري داخل الصف، و بترتيب تصاعدي يبدأ بالتشويق والتقديم القصصي للحرف، يليه التعرف العملي والتطبيقي، ثم مراجعة وتثبيت من خلال أنشطة حسية ولغوية مشوقة.

أنشطة التعلم

صممت المربية مجموعة من الأنشطة مستخدمة نموذج رار. نشارك أحدها على سبيل المثال لا الحصر. 

نشاط: تعرّف على حرف الألف

  • زيادة الجاهزية: تمت تهيئة الأطفال نفسيًا وعاطفيًا من خلال التشويق القصصي؛ حيث أخبرتهم المعلمة أن ضيفًا لطيفًا سيزورهم اليوم، وأن لهذا الضيف قبعة وجسمه خط عمودي ويقول “أ أ أ”. بدأت بتمثيل صوت الحرف والإشارة إليه بطريقة مسرحية، مما أثار الفضول والحماس لدى الأطفال.
  • تيسير النشاط: طرقت المعلمة الباب و”أدخلت” حرف الألف المرسوم على بطاقة، وتفاعل الأطفال معه كأنه شخصية حقيقية. ثم عرضت كلمات تبدأ بحرف الألف، وربطته بأسماء بعض الطلاب، وأطلقت حزورة حول فاكهة تبدأ بالحرف.
  • المراجعة النشطة: سألت المعلمة الأطفال: من زارنا اليوم؟ ما اسمه؟ ما صوته؟ ما الكلمات التي تبدأ به؟

بعد ذلك وفي نشاط آخر، لعب الأطفال لعبة فرز الكلمات التي تحتوي على حرف الألف في صندوق، والكلمات التي لا تحتويه في صندوق آخر.

 ثم في حصة لاحقة، ميّزالأطفال الحرف من بين مجموعة حروف وشكلوه  باستخدام المعجون. عبّر الأطفال عن سعادتهم، وشارك بعضهم ما تعلمه في البيت مع الأهل، بل وأحضروا أوراقًا فيها رسم الحرف من المنزل، وتم تشجيعهم بلصقها على لوحة “المعرض”.

تطبيق مجالات إطار فيرست الخمسة

التركيز على المتعلم فعلت المعلمة مبدأ الإفراد عندما تفاعلت مع كل طفل باسمه، وربطت الحرف بأسماء الأطفال، وجعلتهم يشعرون أن لكل منهم علاقة خاصة بالحرف. أما التحقق والتقويم، فكان عبر طرح الأسئلة، والملاحظة، وتتبع استجابات الأطفال في الفرز والتشكيل. وأما الثقة بالمتعلم، فقد ظهرت في إتاحة المجال للطفل ليخمن، يشارك، يجرّب، ويعبّر عن نفسه دون خوف من الخطأ.

 التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة جعلت المعلمة الحصة مناسبة اجتماعية مفرحة، عبر تمثيل الضيف وتبادل الحديث معه. كما عززت الروح الإيجابية بالتشجيع الدائم، والابتسامة، واستخدام كلمات محفّزة مثل: رائع، ممتاز، أحسنت. حافظت أيضًا على تحفيز الأطفال من خلال التنويع بين التقديم القصصي، اللعب، الأنشطة اليدوية، والمفاجآت.

 مراجعة الأنشطة باستخدام نموذج RAR ظهر وضوح المراحل الثلاث (التهيئة، التيسير، المراجعة النشطة) في كل نشاط تعلمي. وقد كانت المراجعة النشطة ممتدة لما بعد الصف، حيث نقل الأطفال ما تعلموه إلى البيت، وعادوا اليوم التالي بأعمال من إنتاجهم.

 التسلسل والانسيابية في تجربة المعايشة رتبت المعلمة الحصة بتنظيم منطقي يبدأ بجذب الانتباه، ثم التعرف على الحرف، ثم ممارسته، ثم تثبيته. كررت المفاهيم بطرق متعددة لتفادي الملل، وحرصت على الربط بين الأنشطة بطريقة محببة وقريبة من الطفل.

  تحويل التعلّم إلى أداء واقعي ملموس حدث ربط بالواقع من خلال المزج بين ما يحدث في الصف وما يعيشه الطفل في المنزل. فمشاركة الأهل في المتابعة، وتشجيع الطفل على كتابة الحرف في البيت، أظهرت امتداد التعلّم إلى خارج الصف. كما أن ربط الحرف بأسماء الأطفال وبأشياء من واقعهم ومحيطهم عزز تحول التّعلم إلى واقع ملموس.

الخاتمة

كان أثر هذه التجربة عميقًا على الأطفال، حيث زاد شغفهم بالحروف، وأصبحوا يتوقعون الجديد في كل حصة. بدت ملامح الحماس على وجوههم، وأبدى أولياء الأمور إعجابهم بما ينقله الطفل من أنشطة. أما الميسّرة، فقد شعرت بثقة أكبر، ووجدت في إطار FIRST-ADLX وسيلة عملية لتصميم تعلم ممتع ومؤثر. وهي اليوم أكثر جرأة في التجريب، وأكثر وعيًا بأهمية التخطيط التربوي العميق لكل نشاط تعلّم.

Write a comment