- مقدمة:
خالد الكيلاني مربي مصري أخذته رحلته في عالم التربية والتعليم عبر قارات وبلدان وثقافات وفصول دراسية متنوعة. وهو حاصل على ثلاث درجات بكالوريوس: واحدة في اللغة الإنجليزية وآدابها، وأخرى في اللغة العربية والإنسانيات من جامعة دار العلوم، وثالثة في الدراسات الإسلامية من جامعة مشكاة. تُظهر دراساته اهتمامًا عميقًا باللغة والتجربة الإنسانية والإيمان بالله. حصل على منحة دراسية لاستكمال درجة الماجستير في الفقه والأصول بجامعة مشكاة، وهو يتابع حاليًا بحث الماجستير في القيادة والإدارة التربوية بجامعة ديربي في المملكة المتحدة. كما يحمل تخصصًا فرعيًا في العلوم الاجتماعية من مركز نماء للأبحاث في المغرب. وقد شكّلت خلفيته المتنوعة نظرته الشاملة حول التعلم والقيادة.
بدأ الأستاذ خالد حياته المهنيّة كمدرّس للغة الإنجليزية في مدرسة دولية في مصر، حيث سرعان ما أدى شغفه والتزامه إلى توليه أدوارًا قيادية كرئيس قسم ثم مشرف أكاديمي. ثم انتقل إلى تركيا ليصبح مديرًا لمدرسة أمريكية دولية، حيث عمل مع فريق متنوع من جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا. حاليًا، يقود المدرسة الإسلامية الدولية بفوكوكا (FIIS) في اليابان، حيث يوازن بين المعايير الدولية والثقافة اليابانية والقيم الإسلامية لتعزيز بيئة تعلمية هادفة وشاملة. وقد صقلت خبرته في العمل مع أشخاص من ثقافات وخلفيات مختلفة أسلوبه القيادي؛ أسلوب يقدّر التنوع والاحترام والهدف المشترك.
تعرّف الأستاذ خالد على إطار FIRST-ADLX في تركيا خلال محادثة هادئة مع الأستاذ محمد بهجت. في البداية بدا وكأنه مجرد نموذج تعليمي آخر، ثم قام بقراءة كتاب إطار فيرست، لكنه لم يلقَ صدى كبيرًا لديه، إذ بدت الأفكار بعيدة ويصعب تطبيقها. ولكنه بعد سنوات، بينما كان يدرس نظريات التعلم كجزء من برنامج الماجستير الخاص به ويدير مدرسة إسلامية صغيرة في اليابان، أصبح كل شيء واضحًا. التحديات التي واجهها كقائد والأسئلة التي طرحها كمتعلم أحيت تفكيره بإطار FIRSTedu-ADLX. حيث بدأ يرى كيف أن إطار FIRSTedu-ADLX، بمجالاته الخمسة: التركيز على المتعلم، التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة، مراجعة الأنشطة باستخدام نموذج RAR، التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة، وتحويل التعلّم إلى أداء واقعي ملموس، لم يكن مجرد نظرية، بل دليلاً عمليًا وهادفًا يتصل بعمق بفهمه الأكاديمي وقيمه الشخصية.
أدرك الأستاذ خالد أن إطار FIRSTedu-ADLX لا يتعلق فقط بأساليب التدريس، بل بصناعة تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة. واليوم يؤثر هذا الإطار على كيفية قيادته وتدريسه ودعمه لمجتمع مدرسته، بهدف رعاية متعلمين صالحين مصلحين قادرين على التأثير الإيجابي في نفوسهم وفي مجتمعاتهم.
التحديّات ومخرجات التعلّم
لم تكن التحديات بسبب نقص الخبرة أو الكفاءة، وإنما نتجت عن عقليات متأصلة تعمّقت عبر سنوات عديدة. فالعديد من المعلمين الذين عايشوا سنوات من التدريب الأكاديمي التقليدي تمسكوا بشدة بنموذج يركز على المعلّم كمصدر أساسي للمعرفة. ويعززه السياق الثقافي الأوسع في اليابان، حيث يحظى المعلمون باحترام عميق ولا يُتقبَّل أي جدل حول معرفتهم. الثقافة نفسها التي كرّمت المعلمين جعلت التحول نحو نهج يركز على المتعلم أكثر صعوبة.
قدّم إطار FIRSTedu-ADLX فلسفة مختلفة بتركيزه على التعلم المتمركز حول المتعلم، التعلم الشخصي، التأملي، المتسلسل، والتحويلي. فالتعلم رحلة وليس لحظة؛ والطالب مشارك نشط وليس متلقيًا سلبيًا؛ والمعلم ميسّر وليس مجرد مصدر للمعلومة. رأى الأستاذ خالد في إطار FIRSTedu-ADLX حلاً للمشكلات الناجمة عن التناقضات التربوية وغياب لغة تعلمية مشتركة، إلا أن تفعيله يعني مواجهة –لطيفة– ليس فقط مع العادات المؤسسية، بل مع التقاليد الثقافية أيضًا.
لم يأتِ التغيير بسهولة. فقد قاوم بعض المعلمين، ليس لافتقارهم إلى الشغف، بل لأنهم أمضوا عقودًا في أنظمة متمركزة حول المعلم، خبير المعرفة الذي لا جدال فيه. وكان كثير منهم، ولا سيما الأكبر سنًا والأكثر خبرة، يضفي صعوبة على مهمة الأستاذ خالد. وهنا صارع لإيجاد الطريقة المثلى لتحقيق هذا التحول:
“هل يجب أن أتصرف كمدير بسلطة، أم كميسّر بتأثير؟”
اختار الأستاذ خالد أن يكون ميسّرًا مؤثرًا. فبدلاً من إصدار التوجيهات، قام بنمذجة إطار FIRSTedu-ADLX من خلال الممارسة اليومية، والتخطيط التعاوني، والقيادة الهادئة. نسج إطار FIRSTedu-ADLX في محادثات التدريب، وتدريب المعلمين، والتأملات على مستوى المدرسة. إدراكًا للحاجة إلى الاتساق، وسّع أهداف المدرسة الأصلية الستة إلى سبعة، مع مواءمتها بشكل وثيق مع نتائج التعلم المستوحاة من مبادئ FIRSTedu-ADLX. ثم اتخذ خطوة جريئة، إذ اشترط أن تتضمن كل خطةِ درسٍ، عبر جميع الأقسام والمواد، ثلاثة أنواع واضحة من مخرجات التعلم: الرئيسة، والموازية، ومخرجات الأداء. تم ربط كل نتيجة بشكل صريح بهدف واحد أو أكثر من أهداف المدرسة السبعة، مما ضمن عدم فصل أي درس عن الرؤية التعلمية الأوسع.
ولمزيد من التكامل، أعاد الأستاذ خالد أيضًا هيكلة البرامج المشتركة والأنشطة اللاصفيّة – من مشاريع وأندية إلى فعاليات على مستوى المدرسة – بحيث يخدم كل نشاط أهداف المدرسة العامة. سواء تناقش الطلاب، أو أجروا تجارب في معارض العلوم، أو شاركوا في الأيام الثقافية، كان التعلم مقصودًا ومقاسًا ومتوافقًا مع مجالات ومبادىء إطار FIRSTedu-ADLX.
من خلال هذا النهج الموحد، أصبح إطار FIRSTedu-ADLX أكثر من مجرد أداة قيادة، بل جزءًا لا يتجزأ من المدرسة. لقد ربط بين التعلم الأكاديمي، ومهارات الحياة، والقيم الإسلامية، والتنمية الشخصية تحت رؤية واحدة تركز على المتعلم، مما خلق ثقافة مدرسية يتحدث فيها الجميع – المعلمون والطلاب والقادة – لغة واحدة وأهدافًا واحدة.
- نظرة عامة على تصميم الرحلة:
تم اعتماد إطار FIRSTedu-ADLX في مدرسة فوكوكا نظرًا لمنهجيته الشاملة والمبنية على أسس علمية لتجربة معايشة المتعلم. وقد توافق هذا تمامًا مع سعي المدرسة لتوفير التميز الأكاديمي والتربية على الشخصية الإسلامية. على عكس الأساليب المجزأة التي غالبًا ما تفصل التعلم الأكاديمي عن القيم أو تعزل التخطيط عن التأثير، قدّم إطار FIRSTedu-ADLX نموذجًا متماسكًا يدمج ممارسات المعلم في الفصول الدراسية، وتطوير القيادة، وثقافة التدريب، والرؤية المؤسسية.
هذه النظرة الشاملة جعلت إطار FIRSTedu-ADLX مناسبًا لفوكوكا، ولا سيما كونه يركز على التغيير والتحول في المعلمين والمتعلمين والنظام المدرسي ككل. كما أنه قادر على توحيد المدرسة بأكملها حول لغة مشتركة، وتحويل التخطيط للدروس من مجرد قائمة تحقق إلى عملية ذات معانٍ وجدانية ومهارية ومعرفية.
مخرجات التعلم
الوجدانية: أن يقدّر كل مربي أهمية إطار FIRSTedu-ADLX كفلسفة وعقلية للمدرسة بأكملها.
المهارية: أن يطبق إطار FIRSTedu-ADLX عبر مستويات التدريس والتخطيط والقيادة.
المعرفية: أن يعرّف مبادئ ومجالات إطار FIRSTedu-ADLX
أن يعدّد كيفية الاستفادة منها لإصدار القرارات المدرسية اليومية.
بدأت الرحلة بنشر الأستاذ خالد الوعي بإطار FIRSTedu-ADLX بشكل غير رسمي، حيث قام بدمجه في المحادثات وإثارة الفضول بين الموظفين. أدى هذا إلى الموجة الأولى: رحلة “مدخل إلى تجربة معايشة المتعلم النشطة العميقة”، حيث بدأت العلامات الأولية للتغيير في الظهور، ولا سيما بعد المناقشات الفردية والجماعية التي كانت تحصل بين الأستاذ خالد وطاقم المدرسة، مما ساعد في تغيير العقلية وزيادة جاهزية المربين للتغيير.
الموجة الثانية: الرحلة التأهيلية، وهي الرحلة التي يعايش فيها المتعلمون مجالات إطار FIRSTedu-ADLX، وفيها بدؤوا يطبقون إطار فيرست ويستشعرون قيمته المضافة. كما بدأوا في استخدام مصطلحاته في التفاعلات اليومية وأدركوا أهميته في مدرستهم.
الموجة الثالثة: المرحلة التأسيسية الحقيقية، امتدت لثلاثة أشهر وتألفت من رحلات تعلم متزامنة وجهًا لوجه، عايش خلالها المعلمون المجالات الثلاثة الأولى لإطار FIRSTedu-ADLX، بالإضافة إلى جلسات تخطيط تعاونية وتأملات جماعية أو فردية. مع توالي الرحلات، زادت ثقة المتعلمين وتعمق فهمهم وتفعيلهم لإطار FIRSTedu-ADLX. وما بدأ كاستكشاف سرعان ما تحول إلى تصميم مشترك وتيسير مشترك في بعض الحالات، وبدأ في تشكيل ثقافة تعلم مهنية متجذرة في مبادئ إطار FIRSTedu-ADLX.
- تفعيل مجالات إطار FIRSTedu-ADLX
بينما لم يتم تنفيذ جميع المجالات بالكامل في جميع الفصول الدراسية، وشهدت بعض المجالات تطبيقًا في ممارسات وسياقات معينة أكثر من غيرها، فإن المدرسة تسير بوضوح على المسار الصحيح. هناك دليل واضح على الالتزام والتوافق المتزايد، والمستقبل واعد. ولكن من المهم ملاحظة أنه لم يتم وضع معايير رسمية واضحة لتقييم مستوى التنفيذ. وتستند المعلومات أدناه في المقام الأول إلى التحولات الظاهرة والقصص المتناقلة التي يشاركها المعلمون والموظفون.
F – التركيز على المتعلم
تم تفعيل هذا المجال من خلال المحادثات الفردية وجلسات التفكير المنظمة. تم تشجيع المعلمين على تخصيص أساليبهم والتعرف على نقاط القوة الفريدة ومجالات النمو لدى طلابهم. تم التأكيد على الثقة في المتعلم من خلال التحول من نماذج التدريس الصارمة إلى التيسير المرن، الذي سمح للمتعلمين بقيادة المناقشات أو تقديم مدخلات في تشكيل تدفق الدرس. بدأت هذه الممارسات في تنمية شعور بالثقة لدى كل من المعلمين والطلاب.
I – التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة
كان لخلق بيئة تعلمية دافئة ومتماسكة دور أساسي في تحفيز التفاعل. ففي ورش العمل وجلسات المتابعة، عزز الدكتور خالد روح التعاون والسلامة النفسية من خلال النمذجة والفكاهة واللطف. تم إقران المعلمين للتخطيط المشترك للدروس، وتشجيعهم على مراقبة ودعم بعضهم البعض، مما عمّق روابط الزمالة وروح التعاون. كما صُممت ووُسرت الأنشطة المنشطة وأنشطة التعلم التعاوني ليس فقط للطلاب، بل كوسيلة لرفع معنويات الموظفين وزيادة تعاضد الفريق.
R – مراجعة الأنشطة باستخدام نموذج RAR
تم تضمين المراجعة النشطة بعد كل نشاط وكل لقاء وكل مرحلة من مراحل التنفيذ. تمت دعوة المعلمين لإعادة النظر في أهداف دروسهم وخيارات التيسير عبر المحادثات غير الرسمية في الممرات أو من خلال نماذج التقييم المنظمة ولقاءات التأمل والمناقشة. غالبًا ما أدت هذه المراجعات إلى تغييرات في التخطيط المستقبلي وسلطت الضوء على أثر التطبيق على المتعلمين والمعلمين.
ملاحظة: لم يتم تيسير المجالين الرابع والخامس في الموجة الثالثة، ولهذا لم نوثق تفعيلهما وتأثيرهما.
- التحديات:
جاء تطبيق إطار FIRSTedu-ADLX في بيئة تعلمية متعددة الخلفيات بتحديات تراوحت بين الثقافية والتنظيمية. من أبرزها مقاومة بعض المعلمين لتغيير أنماطهم التدريسية نتيجة ارتباطهم الطويل بنموذج تقليدي متمركز حول المعلّم. كما برز غياب مرجعية تقييمية واضحة لمستوى تفعيل إطار FIRSTedu-ADLX، مما جعل من الصعب تتبع التحول بشكل منهجي. وأدى التردد في الانتقال من الفهم النظري إلى التطبيق، بالإضافة إلى الاعتماد الزائد على أدوات الذكاء الاصطناعي في التخطيط بدلاً من استخدام التفكير التصميمي، إلى خلق فجوة بين القناعة بالمبادئ والرغبة في الممارسة.
- التوصيات والاقتراحات:
لنجاح تطبيق إطار FIRSTedu-ADLX في البيئات التعلمية المشابهة، يُوصى بأن تُبنى الرؤية المدرسية منذ البداية بما يتوافق مع الفلسفة الأساسية للإطار، وأن يلتزم القائد بنمذجة المبادئ من خلال تواضعه وسلوكه اليومي، مع تطبيق الإطار على شكل موجات متدرجة تتضمن تجارب تطبيقية مبكرة تعزز التبني التدريجي العميق له. كما يُستحسن تطوير أدوات تقييم مرنة تتناسب مع السياق الثقافي والمؤسسي للمدرسة، وتهيئة فضاءات للتأمل المهني الجماعي تعزز الشعور بالأمان والثقة وتدعم رحلة التعلّم الجماعية نحو التغيير.
- الخلاصة والتأمل:
أدى إدخال إطار FIRSTedu-ADLX إلى تحولات عميقة في اللغة التربوية والسلوك المهني في مدرسة فوكوكا. ظهرت لغة تعلمية موحدة، وأصبح المعلمون أكثر وعيًا بدورهم كميسّرين، وعبّروا عن إحساس أكبر بوضوح أهداف المؤسسة وتكاملها.
أما على مستوى القيادة، فقد تحوّل دور الأستاذ خالد من مدير موجّه إلى ميسّر مُمكّن، يقود من خلال التأثير والتمكين.
الرؤية المستقبلية أن يصبح إطار FIRSTedu-ADLX نسيجًا مدمجًا في كل أوجه الحياة المدرسية، من تصميم الأنشطة إلى بناء الشراكات المجتمعية.