أ.عائشة محمد أبو خطاب – الأسطوانة بين أيديهم

المقدمة

أ.عائشة محمد أبو خطاب، مهندسة مدنية من المملكة العربية السعودية، تقيم حاليًا في مدينة جدة. تتمتع بخبرة في التصميم الهندسي والمجال الأكاديمي، وهي مهتمة بتقديم العلوم بأسلوب مبسط وعملي للمتعلمين. عايشت إطار فيرست خلال الرحلة التأهيلية التي نظمتها مجموعة سيجا، وقد وجدت فيه ما يتقاطع مع قناعاتها حول أهمية جعل تجربة معايشة المتعلم نابضة بالحياة. وكان اول تطبيقاتها لهذا الإطار في أحد الصفوف الإعدادية، حيث قدمت درسًا لمجموعة من طلاب الصف الثامن، بلغ عددهم خمسة طلاب، يُسر اللقاء في بيئة تعلم محدودة الإمكانيات التقنية لكنها غنية بالفضول والمشاركة.

لاحظت أ.عائشة  أن المفاهيم المجردة في وحدة “حساب حجم ومساحة الأسطوانة” تشكل عائقًا أمام تعلم الطلاب العميق، فلطالما بدا عليهم التردد في التعامل مع الصيغ الهندسية وواجهوا تحديًا في ربطها بالواقع. هذا التحدي انعكس على اندماجهم في لقاءات التعلم وتفاعلهم مع الأنشطة الصفية، مما استدعى تصميميًا  وتيسيرًا مختلفين لتحويل المفاهيم المجردة إلى تجارب معايشة نشطة عميقة مرتبطة بواقع المتعلمين وحياتهم اليومية.

اقتصر عدد المتعلمين على خمسة طلاب من الصف الثامن، جميعهم من الذكور، تتراوح أعمارهم بين 13 إلى 14 سنة تفاعلوا في بيئة صفية تقليدية تفتقر للوسائل التقنية الحديثة، ولكن أتيحت لهم فرص متعددة لتطبيق أنشطة واقعية باستخدام أدوات من الحياة اليومية، مما جعل التعلم نشطًا عميقًا مؤثرًا.

نظرة عامة على التصميم

تم اختيار إطار فيرست  لأنه يحوّل المفاهيم المجردة إلى تجارب محسوسة وواقعية. عائشة رأت أن قوة هذا الإطار تكمن في قدرته على إحداث تفاعل حي داخل قاعة التعلم، يحفّز التفكير ويُبقي المتعلمين في قلب تجربة المعايشة، مما يجعله مميزًا عن الطرق التقليدية التي غالبًا ما تفتقر إلى الروح والمشاركة الفاعلة.

مخرجات التعلم:

وجدانية :

    • أن يشعر المتعلم بأن الرياضيات مرتبطة بحياته الواقعية
    • أن يتحمس لحل المسائل من خلال أدوات من بيئته اليومية

مهارية:

    • أن يصمم مسألة واقعية حول الأسطوانة
    • أن يصحح إجابة زميله ويقدّم له تغذية راجعة
    • أن يحسب مساحة وحجم الأسطوانة بدقة

معرفية:

    • أن يشارك كيفية حساب مساحة وحجم الأسطوانة بدقة
    • أن يربط بين الشكل الهندسي والأجسام الواقعية حوله

تضمنت رحلة التعلم لقاء حضوريًّا واحدًا، مدته ساعة تقريبًا، واحتوت على ثلاث أنشطة أساسية: نشاط قبلي، نشاط تعلمي رئيسي، ونشاط حركي تفاعلي. تسلسلت الأنشطة بشكل يراعي مستوى الطاقة وزمن اللقاء وجاهزية المتعلمين.

النشاط الرئيس باستخدام نموذج رار: تطبيق مفاهيم الأسطوانة عمليًا

زيادة الجاهزية:

قبل اللقاء، دُعي الطلاب لإحضار أي جسم أسطواني من منزلهم يستخدمونه في حياتهم اليومية. هذا التمهيد حفّز لديهم التفكير في الربط بين ما سيتعلمونه وبين بيئتهم الواقعية. زوّد الميسر المتعلمين يالتعليمات ودعاهم لمشاركة ما أحضروه من منازلهم. شارك كل طالب للجسم الذي أحضره، مثل علبة معجون أو قنينة ماء. ثم تم توجيههم إلى حساب المساحة أو الحجم لهذا الجسم باستخدام القوانين المكتوبة على السبورة.

تيسير النشاط:

قام كل متعلم بحساب المساحة بسكل فرديّ ثم شاركها مع زملائه لتبادل التغذية الراجعة الإيجابيّة والبناءة.

المراجعة النشطة:

قام كل متعلم بمشاركة ما قام به، كما شارك التغذية الراجعة التي حصل عليها. بعدها سحبت الميسرة الدروس المستفادة من النشاط وطرق الاستفادة منها في المستقبل.

مجالات إطار فيرست الخمسة

التركيز على المتعلم

طبّقت عائشة مبدأ الإفراد بفعالية من خلال استخدام أسماء الطلاب في الحوار، ومناداتهم بألقاب تشجيعية حفّزت روح الانتماء والتقدير. أما التحقق والتقويم، فظهر في متابعتها الدقيقة لأداء كل طالب وتصحيح المسائل المكتوبة وملاحظتها لمستوى استيعابهم. كما منحت المتعلمين الثقة، بأن أتاحت لهم فرصة شرح بعض الفقرات لزملائهم، وهو ما عمّق الفهم وساهم في بناء بيئة داعمة ومحفّزة.

التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة

تجلّى الحدث الاجتماعي في الجو التعاوني الذي ساد الصف، حيث تشارك الطلاب المواد، وطرحوا الأسئلة على بعضهم، وتعاونوا في التصحيح. أما الروح الإيجابية، فقد عززتها عائشة باستخدام أسلوب مرح في التنقل بين الأسماء، وتوزيع المسؤوليات بروح خفيفة، مما جعل الصف يبدو وكأنه مجموعة عمل ودودة. التحفيز والانتباه تفعّلا عبر التنويع في الوسائل، من أشياء منزلية إلى أنشطة حركية، مما حافظ على انتباه الطلاب حتى نهاية اللقاء.

-مراجعة الأنشطة – نموذج RAR

تم تطبيق المراحل الثلاثة لنموذج RAR بدقة، بدءًا من زيادة الجاهزيّة، مرورًا بتيسير النشاط العملي الذي كان النشاط الأساسي في اللقاء، وصولًا إلى المراجعة النشطة التي جاءت من خلال اسئلة تأملية ساعدت في حدوث التعلم وتعميقه، ما ساعد على ترسيخ المفاهيم وإعادة إنتاجها بصورة مستقلة من قبل الطلاب (استدامة الأثر).

التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة

صممت أ.عائشة رحلة التعلم بترتيب مرن، بدأ بنشاط قبلي (جلب جسم أسطواني)، ثم نشاط مفاهيمي تطبيقي، وانتهى بنشاط حركي يُعيد النشاط للطلاب. كما راعت توزيع الطاقة خلال الحصة، فبدأت بتحفيز الفضول، وتدرّجت إلى النشاط الذهني ثم الحركي. المفاهيم تم تكرارها دون ملل، عبر تنوع الوسائل (شرح – تطبيق – إنشاء مسألة – تصحيح). أما الربط والتلخيص، فتم من خلال ربط المفاهيم ببعضها البعض بين الحين والآخر.

تحويل التعلّم إلى أداء واقعي ملموس

الدرس بأكمله تمحور حول إسقاط المفاهيم المجردة على الواقع. وُجّه الطلاب للربط بين ما يتعلمونه وما يستخدمونه يوميًا. أما التطبيق، فقد تم من خلال كتابة المسائل وتصحيحها، مما ساعدهم على ممارسة المفهوم بأنفسهم. وعن الاستمرارية، فقد ظهر في ردود أفعالهم نهاية الحصة، حيث أكدوا رغبتهم بتكرار ما قاموا به، وأشاروا إلى أنهم فهموا الرياضيات بشكل أفضل حين ارتبطت بأدواتهم اليومية.

الختام والتأمل

أثر الرحلة على المتعلمين

عبّر الطلاب بعد الحصة عن استمتاعهم وانبهارهم بطريقة شرح المفهوم باستخدام أشياء من واقعهم. أشاروا إلى أن ما رسخ المفهوم في أذهانهم هو أنهم لمسوه بأنفسهم، وعاشوه من خلال المسائل التي أنشؤوها. أعاد هذا الإطار بناء ثقتهم في فهم الرياضيات.

أثر الرحلة على الميسّرة

شعرت أ.عائشة بأنها أعادت الحياة لمادة جامدة. تأكدت من أن تطبيق إطار FIRST ليس مجرد تنظيم للحصة، بل هو فلسفة تعليمية عميقة تؤمن بأن المتعلم هو المحور، وأن التعلّم الحقيقي يحدث حين يعيش المتعلم الفكرة. اكتسبت قناعة بضرورة الاستمرار في استخدام هذا الإطار، وتخطط لتطوير رحلات تعلم أخرى ترتكز عليه.

Write a comment