نبذة عن الميسّرة
اسمي هبة شهاب، من لبنان، أعمل في مجال العمل الاجتماعي، وتحديدًا في حماية الأطفال. لدي خبرة في تصميم وتيسير لقاءات توعويّة للفتيات، خاصة ضمن بيئة العمل الكشفي. بعد تعرّفي على إطار فيرست خلال مشاركتي في برنامج تأهيل الميسّرين، والأثر الكبير الذي تركه في نفسي، وتطويره لمهاراتي في التصميم والتيسير، قمت بتقديم هذه الرحلة التعلمية لعرّيفات كشفيّات تتراوح أعمارهن بين 16 و18 سنة، وذلك في مدينة بيروت.
التحدي أو المشكلة
عانت العرّيفات المشاركات من ضعف في الحماس تجاه المهام الموكلة إليهن في المفوضيّة، وأظهرن مشاعر سلبيّة تجاه أدوارهن ظنًا بأنهن غير قادرات على أي إضافة قيّمة. كما برزت بعض السلوكيات الانفعالية وردود الفعل الاعتراضية، مما أثّر سلبًا على التفاعل والاندماج في الأنشطة التعلمية.
نبذة عن المتعلمات وسياق التعلم
يسّرت الرحلة ضمن مؤسسة كشفية تطوعية تعمل مع الفتيات في بيروت، بمشاركة عريفات مسؤولات عن فرق من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و9 سنوات. تنوّعت خلفيات العريفات بين مدارس إسلامية وغير إسلامية، مما أضفى تنوعًا في المرجعيات التعلمية والقيمية. المجموعة كانت صغيرة الحجم (10 مشاركات)، مما أتاح فرصًا للتفاعل العميق، لكن مع وجود تفاوت في الاندماج والقدرة على التعبير. لم تكن هناك تقنيات رقمية مستخدمة، بل تم الاعتماد على الوسائل اليدوية والأوراق التفاعلية.
لماذا إطار فيرست؟
اخترت استخدام إطار فيرست لأنني كنت أبحث عن طريقة تساعدني في زيادة الحماسة والثقة لدى العرّيفات، من خلال رحلة تفاعلية تعزز ارتباطهن بأنفسهن وبأدوارهن القياديّة في الكشاف. ما يميّز هذا الإطار عن غيره هو تركيزه المتوازن على الأبعاد الوجدانية والمهارية والمعرفية (بمعنى أنه لا يتجاهل أي نوع من الأبعاد)، وعلى بناء تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة، تترك أثرًا عميقًا مستدامًا وليس فقط التلقين والحفظ.
مخرجات التعلّم
صممت لهذه التجربة مخرجات تعلم متنوعة، وبنهاية هذه الرحلة، كانت كل عرّيفة قادرة على تحقيق المخرجات التالية:
-
المخرجات الوجدانية:
- أن تستشعر العريفة أهمية تنوّع الذكاءات عند شرح الدرس للأفراد.
- أن تُقدّر دورها القيادي في تلبية احتياجات طليعتها بطريقة شاملة ومحفّزة.
-
المخرجات المهارية:
- أن تُعدّ درسًا تفاعليًا لطليعتها باستخدام نشاطات متنوعة تراعي أنواع الذكاءات المختلفة.
- أن تُصمّم جدولًا تعلّميًا يراعي القدرات والمعوقات لكل نوع ذكاء.
-
المخرجات المعرفية:
- أن تتعرّف على أنواع الذكاءات المتعددة ومجالات تطبيقها في الإرشاد الكشفي.
- أن تظهر فهمًا لمبادئ نظرية الذكاءات المتعددة من منظور علمي وتربوي.
-
مخرجات موازية:
- أن تكتشف العريفة نوع الذكاءات التي تميّزها وتربطها بحياتها اليومية.
ملخص تصميم الرحلة
تضمّنت الرحلة جلسة واحدة حضورية تزامنية امتدّت لساعتين ونصف تقريبًا. تخلّلها أنشطة معايشة، ونشاطات تعلّمية جماعية وفردية، ونشاط مهمة لإنجازه لاحقًا، ونشاط ختامي تحفيزي. تمّ تنظيم الأنشطة بتسلسل يُراعي التدرّج من التجربة الشخصية، إلى بناء الفهم النظري، ثم إلى التطبيق العملي، وأخيرًا إلى نقل التعلّم إلى الواقع المهني. كما تمّ المزج بين العمل الفردي والتعلّم التعاوني في مجموعات صغيرة حينًا وكبيرة أحيانًا، بما يُراعي الطاقة والتنوّع ومستوى التفاعل.
الأنشطة باستخدام نموذج RAR
تضمّن اللقاء كما ذكرت مسبقًا مجموعة من الأنشطة التعلميّة المصممة باستخدام نموذج رار، أشارككم بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
النشاط الأول: تعريف الذكاء من خلال مجموعات البونبون (الحلوى الملونة)
زيادة الجاهزية:
دعوت العريفات إلى الوقوف في دائرة، حيث قُدّمت لهن حلوى ملوّنة (بونبون) بشكل عشوائي. ثم طُلب منهن تشكيل مجموعات بحسب لون الحلوى التي حصلت عليها كل منهن. ثم زودتهن بالتعليمات، ودعوتهن لاستكشاف مفهوم “الذكاء” من خلال تعريف جماعي مبني على تصوراتهن الأوليّة، تمهيدًا للغوص في نظرية الذكاءات المتعددة.
تيسير النشاط:
قامت كل مجموعة بمناقشة مفهوم الذكاء بناءً على فهمها وتجاربها الشخصية، وكتبت تعريفًا موجزًا على ورقة. ثم جُمعت التعريفات المختلفة على اللوح لتشكل غيمة (غيمة العصف الذهني). تفاعلت المشاركات وعلقن على كل تعريف مطروح. كان دوري كميسّرة هو تحفيز التفكير، وطرح أسئلة توسّع الأفق، دون تقديم تعريف مسبق.
المراجعة النشطة:
بعد انتهاء العريفات من عرض تعريفاتهن، تمّت دعوتهن إلى تأمل الفروق في المفاهيم التي كتبنها، وسُئلن: ما الذي تعلّمنه عن الذكاء؟ ولماذا تختلف رؤيتهن له؟ ساعد هذا التأمل في استخلاص أن الذكاء تجربة شخصية تختلف بحسب الخلفية والاهتمام. عبر هذه المراجعة، عبّرت العريفات عن مشاعر الفخر والدهشة، واكتشفن كيف يمكن لهذا التنوّع أن يكون مصدر إثراء داخل الطليعة، مما عزّز احترامهن لأساليب التفكير المختلفة لدى الأفراد.
النشاط الثاني: اختبار الذكاءات المتعددة وربطها بالذات
زيادة الجاهزية:
بعد تعريف أولي للذكاءات المتعددة ومبادئها، تم تهيئة المشاركات نفسيًا لاكتشاف ذواتهن من خلال اختبار تحليلي بسيط. شُرِح لهن أن الغرض من التمرين ليس التقييم، بل الفهم الأعمق لأنماط تفكيرهن وسلوكهن، وأن لكل نوع من الذكاء قيمة ودور.
تيسير النشاط:
تم توزيع أوراق “اختبار الذكاءات المتعددة”، وطلب من كل عريفة أن تجيب على الأسئلة بهدوء واستقلالية. بعد الانتهاء، حسبت كل منهن نسب ذكاءاتها الشخصية. ثم دُعين لمشاركة ما يرغبن به من النتائج، حيث عبّرت بعض العريفات عن دهشتهن أو سعادتهن بمعرفة أن ما كنّ يعتقدنه مجرد “هواية” أو “عادة” هو في الحقيقة نمط ذكاء. على سبيل المثال، إحدى العريفات التي تمتلك ذكاء حركيًا عاليًا تحدّثت عن مشاركتها في الماراثونات وكيف أن هذا النمط من الذكاء ينعكس على نشاطها اليومي.
المراجعة النشطة:
بعد إعلان نتائج الاختبار ومشاركة بعض العريفات لقصص من حياتهن الواقعية، تمّت دعوتهن إلى التفكير في معنى هذه النتائج بالنسبة لهن كقائدات كشفيات. سُئلت كل واحدة: “كيف يمكن لهذا النمط من الذكاء أن يظهر في تفاعلك مع طليعتك؟”، و”ما النشاطات التي تستطيعين تطويرها بناء على ذكائك الغالب؟” من خلال هذه الأسئلة، بدأت المشاركات في ربط النشاط بحياتهن اليومية، واستشعرن إمكانية استخدام هذه المعرفة لتفعيل كل فرد من أفراد الطليعة حسب نمطه، مما عمّق إحساسهن بالمسؤولية والتمكين.
النشاط الثالث: تحليل الذكاءات وتخطيط لقاءات تعلّم
زيادة الجاهزية:
بعد أن تعرّفت العريفات على الذكاءات المتعددة واكتشفن أنماط ذكائهن الشخصية، تم تهيئتهن ذهنيًا ونفسيًا لمهمة جماعية تتطلب تحليل وتخطيط. وضحت لهن أنهن سيعملن ضمن مجموعتين، وكل مجموعة ستُعطى أربع أنواع من الذكاءات، وستقوم بتحليلها بهدف تحويل النظرية إلى أدوات عملية يمكن استخدامها في التخطيط لرحلات الطليعة. بعدها تم توزيع جدول خاص بكل مجموعة يحتوي على أربعة أعمدة: “القدرات المرتبطة بالذكاء – المعوقات – أمثلة من أنشطة تعلّمية – أمثلة من مواد أو أدوات مساعدة”. شُرِحت طريقة ملء الجدول باستخدام أمثلة تطبيقية
تيسير النشاط:
.انطلقت كل مجموعة في العمل الجماعي، تبادلت الأفكار، واستفادت من نتائج اختبار الذكاءات التي أجرتها سابقًا. بعد مرور 15 دقيقة، عُرضت نتائج المجموعات أمام الفريق الكامل، وتمّ النقاش الجماعي للتعقيب والإثراء.
المراجعة النشطة:
بعد العروض الجماعية، دُعيت العريفات إلى التفكير في قيمة هذا التحليل، وكيف يمكن أن يغيّر طريقة إعدادهن للقاءات التّعلم في المستقبل. طُرحت أسئلة مثل: “ما الذي اكتشفته عن طريقة تفكيرك عند التخطيط؟”، و”ما نوع النشاطات التي ستضيفينها لطليعتك بناءً على هذا الفهم؟”. من خلال هذه المراجعة، عبّرت العريفات عن شعورهن بأن هذه الأداة أعطتهن لغة واضحة لفهم الفروق الفردية، ومكّنتهن من التخطيط بطريقة أكثر عدلاً وتحفيزًا لجميع أفراد الطليعة، لا سيّما من كنّ يجدن صعوبة في التفاعل سابقًا.
تفعيل مجالات إطار فيرست
F – التركيز على المتعلّم
تم تفعيل هذا المجال عبر ممارسات متنوّعة ركّزت على احترام الفروقات الفردية، والتعرّف على خصائص كل عريفة. في مرحلة اختبار الذكاءات، أُتيحت لكل مشاركة فرصة اكتشاف ذاتها دون مقارنة أو تصنيف. كما أُعطيت حرية المشاركة بمن ترغب في مشاركة نتائجها. أثناء العمل الجماعي، كنت أتجوّل بين المجموعات، أقدّم دعمًا متوازنًا، وأستمع لتساؤلاتهن بإنصاف واحترام. عندما عرضت كل مجموعة نتائج تحليلها للذكاءات، امتنعت عن التكرار أو التصحيح المباشر، بل ركّزت على المعلومات الصحيحة وقدّمت تعزيزًا ايجابيًّا يعكس ثقتي في قدرتهن على الفهم والتطور الذاتي.
I – التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة
منذ البداية، حرصت على خلق بيئة اجتماعيّة دافئة ودودة من خلال نشاط ما قبل الافتتاحي “ليش بتجي على العباد (المركز)؟”، الذي حفّز روح الانتماء وأتاح التعبير العفوي. رافق اللقاء روح مرحة وتشجيع مستمر، عبر كلمات دعم مباشرة، وتوزيع الحلوى. هذه اللفتات البسيطة ساعدت على بناء أمان نفسي وعاطفي، وخلقت حافزًا داخليًا للاندماج في اللقاء.
R – مراجعة الأنشطة باستخدام نموذج RAR
تم تفعيل نموذج RAR بوضوح عبر كل نشاط تعلّمي، من التهيئة التي تراوحت بين نشاطات فردية وجماعية، إلى التيسير الذي شجّع العمل التعاوني وتبادل الأفكار، ووصولًا إلى المراجعة النشطة التي تضمنت أسئلة مفتوحة وتأملات ذاتية وربطًا بين ما حدث داخل اللقاء وما تعيشه العريفات في واقعهن. وقد ساهم مبدأ “المراجعة النشطة” في تعميق الفهم، و انتقال المتعلمات من الاكتشاف إلى الوعي، ومن المعلومة إلى المعنى.
S – التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة
اتبع اللقاء تدرجًا منطقيًا بدأ من الذكريات الشخصية حول الدروس المميزة، ثم انتقل إلى بناء المفاهيم الأساسية، فالاكتشاف الذاتي، فالمهارة التطبيقية، ثم التقييم الذاتي والمهني. دعوت المشاركات لتكرار المفاهيم عبر أنشطة مختلفة (اختبار، تحليل، تخطيط) تفاديًا للملل، وربطت كل مرحلة بالتي تليها بسلاسة وانسيابيّة. في الختام، ربطنا ولخّصنا مخرجات الرحلة من خلال مشاركة معلومة جديدة من كل عريفة، شرط ألا تكرّر ما قيل قبلها، مما حفّز التركيز وربط المفاهيم دون ملل.
T – تحويل التعلّم إلى أداء واقعي ملموس
تضمّنت الرحلة أكثر من لحظة ربط مباشر بالواقع: عبر اختبار الذكاءات وربطه بحياة العريفات اليومية، ثم عبر مهمة التخطيط لدرس فعلي يقدمنه لاحقًا لطليعتهن حسب نمط ذكاء معين. كما تم توزيع جداول تحتوي على مهن مستقبلية مرتبطة بكل نوع ذكاء، ما عزّز عندهنّ رؤية عملية لكيفية استخدام هذه المعرفة في حياتهن الشخصية والمهنية. في نهاية اللقاء، أكّدت المشاركات على نيتهن تطبيق هذه الأدوات في عملهن الطليعي، مع التزام بمتابعة إرسال التحضيرات لاحقًا، ما يعكس أثرًا مستمرًا للقاء.
أثر الرحلة على المشاركات
عكست ردود فعل العريفات حالة من الانسجام والاهتمام العميق. إذ عبّرت العديدات منهن عن سعادتهن باكتشاف أنماط ذكاءاتهن، وصرّحن بأنهن شعرن للمرة الأولى بأنهن يُنظر إليهن كأفراد مختلفين لكن متكاملين. ازدادت مشاركتهن تدريجيًا خلال الجلسة، وبدا ذلك في الحماس عند عرض الجداول، والمبادرة في الإجابة خلال التأملات، والتفاعل الطريف مع النشاط الختامي. كما أظهرن رغبة واضحة في تطبيق المعرفة ضمن طليعتهن، وسألن عن وسائل إضافية للتخطيط حسب الذكاءات، ما يعكس اندماجًا وحرصًا على التطبيق.
أثر الرحلة على الميسّرة
أعانني تطبيق إطار فيرست على التفكير بشكل منهجي عميق قبل اللقاء، ممّا ساعدني في ابتكار أنشطة متسلسلة ومتكاملة. وجدت أن التحضير قد استغرق وقتًا أطول، لكنه وفّر عليّ الجهد أثناء التنفيذ، حيث انسيابية الأنشطة والتنوع المدروس خفّف من الضغط الفوري وأعطاني ثقة أكبر في تيسير اللقاء. أدركت أهمية أن تكون الرحلة “مُلكًا للمتعلمات”، وأن دوري هو التهيئة والتيسير لا التلقين. كانت تجربة مثرية، وأشعر أنني خرجت منها برؤية أوضح حول كيفية تصميم وتيسير لقاءات تعلّم مؤثرة.
أثر الرحلة على المجتمع المحيط
لم تكن هناك مظاهر مباشرة لأثر الرحلة على المجتمع الأوسع بعد، نظرًا لكونها محصورة في لقاء تعلميّ واحد. لكن التزام العريفات بإرسال دروسهن المخططة لاحقًا، واستعدادهن لتطبيق ما تعلّمنه مع طلائعهن، يعطي مؤشرًا على أن الأثر قد بدأ بالتمدد، وسيظهر في السياقات الكشفية التي تعمل فيها المشاركات خلال الفترات القادمة.