المقدمة
الدكتور بركة كوندو هو مربي ومحاضر جامعي من تنزانيا، يعمل حاليًا في جامعة دودوما، وهي جامعة حكومية تقع في العاصمة دودوما. إلى جانب عمله الأكاديمي، ترأس مجلس أمناء مؤسسة Birri & Helping Hands Trust لأكثر من سبع سنوات، كما أسس مدرسة الرحمة التمهيدية والابتدائية الإسلامية. يتمتع الدكتور بركة بخبرة غنية ومتنوعة في مؤسسات التعلّم تمتد لأكثر من عقدين، حيث قام بتيسير التعلم في مراحل تعلّم متعددة تشمل المرحلة الابتدائية والثانوية والجامعية والدراسات العليا. وتشمل خبراته مجالات العلوم التطبيقية مثل الفيزياء والكيمياء، إضافة إلى العلوم الاجتماعية، وبخاصة علم النفس الاجتماعي التطبيقي. وقد شكّلت معايشته لإطار FIRST-ADLX نقطة تحول في كيفية تصميمه وتيسيره لتجارب معايشة المتعلم، خاصة في السياقات التي تعتمد تقليديًا على المحاضرات.
واجه د. بركة تحد شائع في قاعات التعليم العالي وهو الأعداد الكبيرة من المتعلمين، حيث لطالما يسّر التعلم لما يقارب 100 طالب جامعي إلى الوقوع في فخ التعلم السلبي، وانخفاض التفاعل، والاعتماد المفرط على الأساليب التقليدية. وعليه، واجه الطلاب صعوبة في التفاعل مع المفاهيم التشريحية المعقدة، خاصة عند تناول تركيب العين البشرية، الذي يتطلب فهمًا مفاهيميًا وتطبيقًا عمليًا في آن واحد.
نُفذت تجربة معايشة المتعلم هذه ضمن برنامج جامعي لطلاب تخصص التربية الخاصة في جامعة دودوما، حيث شارك 100 طالب من طلاب السنة الثالثة. وعلى الرغم من توفر بعض موارد التعلّم الأساسية، إلا أن حجم المجموعة وطبيعة الأسلوب التقليدي القائم على الإلقاء شكّلا تحديًا أمام تحقيق التفاعل والفهم العميق. ركز اللقاء على تشريح العين البشرية، وتضمن نشاطًا عمليًا لتشريح عيون الماعز أو الأبقار، مما أتاح فرصة للربط بين النظرية والتطبيق.
تصميم تجربة المعايشة وتسلسل الأنشطة:
اختار د.بركة إطار FIRST-ADLX لتحويل المحاضرة التقليدية إلى تجربة معايشة متعلم تفاعلية. فعلى خلاف الأساليب التقليدية التي تعتمد على نقل المعرفة في اتجاه واحد، يوفّر هذا الإطار نهجًا منظمًا ومرنًا يدمج بين التفاعل، والتأمل، والتطبيق الواقعي. وقد كان هذا مناسبًا لسياق المجموعات الكبيرة، حيث يشكّل الحفاظ على الانتباه وضمان المشاركة تحديًا حقيقيًا.
وصُممت مخرجات التعلم لهذا اللقاء لتعكس تجربة معايشة متكاملة:
المخرجات الوجدانيّة:
أن يقدّر المتعلم أهمية المشاركة الفاعلة في بيئات التعلم ذات الأعداد الكبيرة .
أن يثمّن التعلم التعاوني ومساهمة الأقران أثناء الاستكشاف العلمي .
المخرجات المهاريّة :
أن يحدّد ويُظهر الأجزاء الداخلية والخارجية للعين البشرية .
أن يطبق خطوات التشريح الأساسية بدقة وبشكل تعاوني .
المخرجات المعرفيّة:
أن يعرّف تركيب ووظيفة العين البشرية.
أن يصف المكونات التشريحية الداخلية والخارجية للعين .
تضمنت تجربة المعايشة التي شاركها د. بركة من لقاء تعلّم متزامن حضوري، جمع بين عرضٍ مصغّر (Mini Presentation) ونشاطٍ عمليٍّ للتشريح، مدعومًا باستراتيجيات تفاعل مثل طرح الأسئلة، ومساهمة الأقران، والتفاعل الجماعي. وقد اتبع تسلسل الأنشطة منطقًا تدريجيًا يبدأ بالفهم المفاهيمي وينتقل إلى التطبيق العملي، مع الحفاظ على مستوى الطاقة من خلال تنويع أساليب التيسير، مثل الغناء والتصفيق وطرح الأسئلة التفاعلية، مع مراعاة طبيعة ديناميكيات المجموعات الكبيرة عبر الموازنة بين التفاعل الجماعي والمشاركة الفردية والجماعية.
نشاط تعلمي باستخدام نموذج RAR:
دعا د. بركة المشاركين في بداية اللقاء للتعرّف على مخرجات التعلم ومناقشة دورهم المتوقع خلال اللقاء، بما يشمل مشاركتهم في الشرح وفي نشاط التشريح، مما ساهم في تهيئتهم لتجربة معايشة المتعلم بشكل عام وتوضيح كيفية تفاعلهم خلال اللقاء.
أما العرض المصغّر، فشكل واحدًا من أنشطة التعلّم الرئيسة لاستكشاف أساسيات تشريح العين البشرية. خلال مرحلة زيادة الجاهزية (Readiness Increase)، دُعي المشاركون إلى المشاركة في التصفيق الجماعي للإشارة إلى بدء النشاط، مما ساهم في خلق جو من التركيز والاندماج.
أما في مرحلة تيسير النشاط (Activity Facilitation) ، فقد دُعي المشاركون للتفاعل مع المحتوى من خلال الأسئلة والأجوبة، مع تحقيق توازن بين تقديم المعلومات (Push) وسحب المشاركات (Pull). تفاعل المتعلمون مع المحتوى ومع بعضهم البعض، وعرضوا آرائهم، وشاركوا فهمهم أمام المجموعة. وقام الميسر بدعم هذا التفاعل من خلال توجيه النقاش، والاستجابة لمداخلات المشاركين، والمحافظة على استمرارية التفاعل طوال النشاط.
وفي مرحلة المراجعة التأمليّة النشطة (Reviewing Actively)، دُعي المشاركون للتأمل في تعلمهم، حيث عبّروا عما فهموه من النشاط، وناقشوا أهمية ربط المفاهيم التشريحية بالبُنى الواقعية التي شاهدوها خلال التشريح، وشاركوا كيف يرتبط هذا التعلم بخبراتهم السابقة. وقد ساعدهم هذا التأمل على بناء المعنى وربط التعلم بسياقهم الخاص.
مجالات فيرست في التطبيق:-
– التركيز على المتعلم:
تم تفعيل هذا المجال من خلال بناء تواصل شخصي مع المشاركين رغم كِبر حجم المجموعة، حيث قام د.بركة بمناداتهم بأسمائهم قدر الإمكان، والتعامل مع أسئلتهم ومداخلاتهم باهتمام واحترام. كما تم تطبيق التحقق والتقويم بشكل مستمر خلال الجانبين النظري والعملي، خاصة أثناء نشاط التشريح، حيث تابع الميسر فهم المشاركين وقدم دعمًا مناسبًا. وظهر مبدأ الثقة في المتعلم من خلال إتاحة الفرصة لهم لقيادة أجزاء من اللقاء، وعرض أفكارهم، والتعبير عن انعكاساتهم.
– التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة.
صُمم اللقاء ليكون تجربة اجتماعية تفاعلية وليست محاضرة تقليدية، حيث ساهم استخدام الغناء والتصفيق الجماعي في خلق جو من الألفة والانتماء. كما تم تعزيز الروح الإيجابية من خلال الابتسامة، والتشجيع، والتعامل البنّاء مع جميع المشاركات بما فيها الأخطاء. وتم الحفاظ على التحفيز والانتباه عبر توضيح أهمية اللقاء، وتنويع أساليب التيسير، وتحقيق التوازن بين السحب والدفع من خلال الأسئلة التفاعلية.
– مراجعة الانشطة وفقًا لنموذج رار:
تم توظيف نموذج RAR خلال اللقاء، حيث قام د. بركة بتهيئة المشاركين من خلال توضيح المخرجات وأدوارهم، وتيسير الأنشطة بشكل ديناميكي يجمع بين السحب والدفع والتطبيق العملي، كما نفّذ المراجعة النشطة من خلال دعوة المشاركين للتأمل باستخدام أسئلة موجهة تساعدهم على التعبير عما تعلموه، وأهمية ذلك، وكيف يمكن تطبيقه.
– التسلسل والانسيابيّة أثناء تجربة المعايشة:
اتبع اللقاء تسلسلًا منطقيًا واضحًا بدأ بالمقدمة، ثم الاستكشاف، ثم التطبيق. وقُدمت المفاهيم بشكل تدريجي من البسيط إلى الأكثر تعقيدًا. كما تحقق مبدأ التكرار بلا ملل من خلال تنويع الأساليب مثل الأسئلة، والنقاش، والتطبيق العملي. وقام د. بركة بالربط والتلخيص من خلال أنشطة مثل العصف الذهني، مما ساعد المشاركين على ربط المفاهيم وتعزيز تعلمهم.
-تحويل التعلّم إلى آداء واقعي ملموس:
ظهر هذا المجال في قدرة المشاركين على ربط تجربة المعايشة بسياقاتهم الواقعية، حيث عبّروا عن علاقة موضوع تشريح العين بخبراتهم السابقة وأدوارهم المستقبلية كمعلمين. كما شكّل نشاط التشريح تطبيقًا حقيقيًا ساهم في ربط النظرية بالممارسة، وشجعهم على التفكير في توظيف أساليب تعلم نشطة مشابهة في ممارساتهم التيسيريّة مستقبلًا.
الخاتمة:
انعكس أثر تجربة معايشة المتعلم بشكل واضح في مستوى تفاعل المشاركين وحماسهم واستعدادهم للمشاركة رغم كِبر حجم المجموعة، حيث انتقلوا من متلقين سلبيين إلى مشاركين فاعلين يستكشفون ويناقشون ويتأملون في تعلمهم. وقد ساهم الدمج بين التشريح العملي والتيسير التفاعلي في تعميق التعلّم وجعل اللقاء تجربة معايشة لا تُنسى.
أما بالنسبة للميسر، فقد شكّلت هذه المعايشة تحولًا مهمًا في ممارساته، حيث أثبت إطار FIRST-ADLX فعاليته كأداة شاملة ومنظمة مقارنة بالأساليب التقليدية المعتمدة على الاجتهاد الشخصي. وقد قدّمت تجربة المعايشة هذه مثالًا واضحًا على إمكانية تحويل المحاضرات الكبيرة إلى تجارب معايشة متعلم نشطة عميقة ذات معنى. كما أدرك الميسر أهمية الاستمرار في تطبيق هذا الإطار لتعزيز تفاعل المتعلمين وتحقيق مخرجات تعلم أعمق في سياقات التعلّم العالي.