د غازي حامد العوفي-التمكين المؤسسي

 

 

نبذة عن الكاتب

د.غازي حامد العوفي، من مدينة جدّة بالمملكة العربيّة السعوديّة، لديّ ما يناهز الثلاثين عامًا من الخبرة الإدارية المتنوعة في مراكز قياديّة في كبرى الشركات والهيئات العالميّة، مثل: الخطوط السعوديّة، وبترومين، وأرامكو السعوديّة، وهيئة الإغاثة الإسلاميّة العالميّة، أنا ايضًا من فريق أرامكو المؤسس لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنيّة. وعملت متطوعًا مع القطاع الثالث (غير الربحي)، وأعمل حاليًا كمدرب ومستشار متفرغ.

المقدمة

بعد معايشتي لرحلات منهجية (إطار فيرست – تجربة معايشة المتعلم النشطة العميقة)، تغير مفهومي لعملية التّدريب وصرّت أفكر في أثر ما أقوم به على جميع من حولي. لم اكتف بالتفكير، بل بدأت مسيرة التطبيق لما عايشته من مفاهيم ومجالات في الرحلات التعلميّة التي أصممها وأيسرها، فكنت أحرص في محطات رحلة التّعلم كافّة على تطبيق المجالات الخمسة لـ(إطار فيرست):

  1. التركيز على المتعلّم.
  2. التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة.
  3. مراجعة الأنشطة باستخدام نموذج (رار).
  4. التسلسل والإنسيابيّة.
  5. تحويل التعلم الى أداء واقعي ملموس.

امتدت رحلتي على خمسة أيام، و بلغ عدد المشاركين إلى 23 مشاركًا من البالغين الذكور والإناث، تميّزوا بالتفاعل والشّغف للتّعلّم والتّطوّر.

مخرجات التعلم

أولى خطواتي كانت تصميم مخرجات التعلم واضعًا نُصب عينيّ إعادة ترتيبها؛ لأبدأ بالوجدانيّة فالمهاريّة ثم المعرفيّة. أشارككم بعض هذه المخرجات.

المخرجات الوجدانية:

  • يستشعر أهميّة العمل في بيئة تهتم بمشاعر أفرادها وترعى القيم.
  • يقدر أهميّة التّحلي بالمسئولية الاجتماعية.
  • يعي أهميّة موضوع الرّحلة (التّمكين).

المخرجات المهارية:

  • يطور مهارات التفاعل الإيجابي.
  • يطور مهارات المرونة والإنصات للآخرين، وتقبل الرأي الآخر.
  • يطبق مفاهيم التّمكين مع المستفيد بطريقة جديدة في التعامل مع كل الحالات (الفردي والجماعي).
  • يصمم خطة مناسبة للتمكين.
  • يقييم الحلول القترحة بشكل سليم.
  • يحدد مخرجات الأداء المتوقعة.
  • يستخدم مفهوم تحليل الاحتياج لتشخيص حالة المستفيد.

 

المخرجات المعرفية:

  • يعرّف مفاهيم التّمكين.
  • يعدد مفاهيم التّمكين.
  • يعدد طرق تصميم خطة التمكين.
  • يعدد طرق تقييم الحلول المتوفرة.
  • يعرّف مفهوم تحليل الاحتياج.

مخرجات الأداء

  • أن يتمكن المتعلم من تمكين موظيفه في سياقه الخاص بشكل سليم ومؤثر.

 

تطبيق مجالات إطار FIRST-ADLX

حرصت خلال هذه الرحلة على تطبيق (إطار FIRST-ADLX) في التصميم والتيسير، وصممت للأثر المباشر والموازي، بدءًا بإعادة النظر بتسلسل الأنشطة والحقيبة التدريبيّة التي أملكها، وتعديلها بما يتناسب مع مجالات (إطار فيرست).

فأضفت أنشطة المعايشة وتأكدت من أن تتضمن أنشطة التّعلم المراحل الثلاث لـ(رار) وهي: زيادة الجاهزيّة – تيسير النّشاط – المراجعة النّشطة)، وراعيت مستوى الطاقة؛ للحرص على التسلسل والانسيابية، كما أنني أضفت العديد من الإجراءات لتطبيق المجالات وتحقيق المخرجات والأثر المرجو من الرّحلة.

تضمنت الرحلة أكثر من عشرين نشاطًا ما بين أنشطة معايشة وأنشطة تعلميّة)، قمت بتعديل بعضها وحذف بعضها الآخر لتتلاءم أنشطة الرحلة مع مجالات (إطار فيرست)، فعلى سبيل المثال: تم استبدال لعبة الكراسي التي تتطلب جهدًا جسديًا بنشاط عصف ذهني مراعاةً للمشاكل الصحيّة التي قد يعاني منها بعض الأفراد وتفاديًّا للإحراج.

ومن أنشطة اليوم الأول، أشارككم النشاط الافتتاحي (الوقوف في دائرة)، ففي هذا النشاط، هيأت المشاركين وطلبت منهم الوقوف في دائرة والاستعداد لمشاركة معلومات شخصيّة بعد أن وزعت عليهم قطعًا من الحلوى بألوان متعددة، وضحت لهم أن كل لونٍ من الألوان يرمز لنوع من المعلومات (الأحمر: شخصيتك المفضلة، الأخضر: كتابك المفضل، البني: البلد المفضل الذي زرته، الأصفر: شيء تفتخر أو تعتز به، البرتقالي: مكان مفضل).

 في هذا النّشاط كما في غيره، طبقت المجالات كافّة:

لتطبيق المجال الأول (التركيز على المتعلّم)، اختار كل متعلم لون الحلوى الذي يحبه، شارك كل متعلم معلومات خاصة به وبما يحب، تعرف المشاركون على بعضهم واهتمامات بعضهم البعض بطريقة محببة، بينما تنقلت بينهم للتحقق والتقويم والإنصات والثناء على المشاركات والمشاركة بالنّشاط والتأكد من مشاركة الجميع. حيث تم التأكد من تطبيق مبادئ (التركيز على المتعلم) الثلاثة وهي: (الإفراد – الثقة في المتعلم – التحقق والتقويم).

أما المجال الثاني (التفاعل الايجابي أثناء تجربة المعايشة)، فقد حافظت على الروح الإيجابية والابتسامة والمزاح الخفيف اللطيف مما جعل من النشاط حدثًا اجتماعيًا استمتع فيه المشاركون كأنهم في جلسة بين الأصدقاء.

لتطبيق المجال الثالث (مراجعة الأنشطة)، هيّأت المشاركين كما ذكرت مسبقًا وتابعتهم في مرحلة التيسير، ولم يتضمن النشاط مرحلة مراجعة نشطة؛ كونه نشاط معايشة وليس نشاطًا تعلميًّا.

في (التسلسل والانسيابية)، قسمت الإرشادات، وتأكدت من قيام المشاركين بالخطوة المرادة قبل الانتقال للأخرى.

في (تحويل التّعلم إلى أداء واقعي ملموس)، ربطت ما شاركه المشاركون بالواقع الخاص بهم والواقع الخاص بزملائهم كلما سنحت الفرصة.

وتطبيقي لمجالات ومبادئ (إطار فيرست) لم يقتصر على النشاط الافتتاحي لليوم الأول، بل تعداه لجميع الأنشطة في الأيام الخمسة للرحلة، سأشارك بعض ما قمت به من اجراءات وأنشطة لتطبيق الإطار وجعل رحلتي تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة.

  • مجال التركيز على المتعلم
  • مناداة المشاركين بألقابهم وأسمائهم الأولى.
  • توفير فرص متنوعة لهم للتعبير والمشاركة والإضافة.
  • الثقة بهم لبناء خطة التمكين، باستخدام طرق وأدوات تقييم المستفيدين ونموذج دراسة الحالة الذي قدم لهم.
  • الثقة فيهم لتشخيص حالة المستفيد أيضًا، باستخدام ما تعلموه حول مفهوم تحليل الاحتياج، وتم توضيحه بصور النباتات (الصبار، والنخل والطماطم).
  • إتاحة الفرص للمشاركين لتيسير بعض الأنشطة (نشاط مدير الحالة والمستفيد).
  • تنويع الأنشطة ليجد كل فرد من المشاركين ما يناسب نمط تعلمه واهتماماته: (عصف ذهني – عمل فردي – عمل ثنائي – تعلم تعاوني – لعب أدوار – الألعاب التربوية، وغيرها)

 

  • التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة:
  • تنويع أنماط التفاعل (عمل ثنائي – جماعي)، وتغيير أعضاء المجموعة الواحدة؛ مما اتاح لكل مشارك الفرصة للتفاعل مع جميع المشاركين، وتبادل المعارف والعلوم والخبرات.
  • متابعة المجموعة، والحرص على الروح الايجابية، وعلى تبادل التغذية الراجعة الإيجابية البناءة.
  • الحفاظ على الابتسامة والمزاح الخفيف اللطيف.
  • تفادي المنافسة السلبية، وتعزيز ذهنية عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء.
  • تحفيز المشاركين بشكل مستمر لإتمام المهمات، والثناء على مشاركاتهم وإضافاتهم ومبادراتهم.
  • مجال مراجعة الأنشطة حسب نموذج RAR:

كنت قد ذكرت مسبقًا تطبيقي لهذا المجال في نشاط معايشة (افتتاحي)، وسأشارككم الآن تطبيقي لهذا المجال في نشاط تعلمي كنت قد يسرّته في اليوم الثالث.

كان هذا النّشاط عبارة عن عرض مصغّر، عرضت خلاله: طرق تصميم خطة التمكين، وطرق تقييم الحلول المقترحة، وتحديد مخرجات الأداء المتوقعة.

  • في مرحلة زيادة الجاهزيّة: جهزت المشاركين ذهنيًا وجسديًا ووجدانيًا للعرض القادم، ودعوتهم للإنصات والتعليق متى أرادوا.
  • في مرحلة تيسير النّشاط: وظفت مفهوم التوازن بين السحب والدفع، فسحبت في موضع السحب، ودفعت في موضع الدفع، حتى أنهينا الطرق كافة.
  • في مرحلة المراجعة النّشطة: دعوتهم لمشاركة ما تعلموه من العرض والتأمل في الدروس المستفادة، والخطوات العمليّة المستقبليّة التي سيتخذونها بناء على ما تعلموه من هذا العرض.

وهذه المراحل الثلاث لنموذج (رار) تكررت أيضًا في النشاط التالي؛ حيث قسم المشاركين إلى مجموعات، وتزودوا بالإرشادات والأدوات (زيادة الجاهزية)، وعملوا في مجموعات، بينما تنقلت أنا كي أتحقق وأقوِّم وأيسِّر عملَهم (تيسير النشاط)، وألحقنا مرحلة التيسير بمرحلة المراجعة النشطة نستذكر فيها ما فعلنا، وما تعلمنا، وما استفدنا مما تعلمناه.

  • مجال التسلسل والانسيابية خلال تجربة المعايشة:
  • التنويع في الانشطة بين تعلميّة ومعايشة مراعاةً لمستوى الطاقة، ومحافظة على انسيابية اللقاء.
  • تقسيم التطبيق للمقابلة الشّخصية بين مدير الحالة والمستفيد إلى أجزاء صغيرة قبل جمعها، متبعًا الخطوات التسلسلية في المنهج.
  • تكرار المفاهيم الأساسيّة بطرق مختلفة (عصف ذهني – لعب أدوار)تفاديًّا للملل.
  • تضمين أنشطة ربط وتلخيص في محطات مختلفة؛ للتأكد من وضوح العلاقة بين مكونات الرحلة في ذهن المشاركين.
  • مجال تحويل التعلّم إلى أداء واقعي ملموس:
  • استخدام أمثلة ودراسة حالات واقعيّة.
  • تمكين المشاركين بتزوديهم بأدوات يستخدمونها في واقعهم، وتدريبهم على استخدامها.
  • التطرق إلى تحديات واقعيّة ومناقشة الحلول (وقاية وعلاج).
  • سحب أهمية الخطة المبدئية للاستمرار والمتابعة بتطبيق ما تعلموه بعد انتهاء الرحلة.

أثر تطبيق إطار FIRST-ADLX

على الميسر:

استشعرت سلاسة اللقاء وانسيابته عندما طبقت (إطار فيرست)، فاستمتعت خلال الرحلة ككل، ولم أشعر بأي صعوبة تذكر، كما أيقنت أن الإنسان مهما بلغ من العمر يمكنه أن يتعلم إذا ما اتسم بالمرونة وحافظ على التنوع – بمعنى أدق – إذا طبق مجالات (إطار فيرست) الخمسة.

لمست خلال التيسير أن اعتمادي على تغيير الأدوات في تدريبي قبل (إطار فيرست) لم يكن كافٍ لكسر الجمود، والمحافظة على الانتباه، وتحقق التعلم النشط العميق.

أدرك اليوم أن تركيزي كان على المحتوى فقط وأننا بحاجة لنعيش تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة لنتعلم تعلمًّا عميقًا ذا أثر.

على المشاركين:

أظهر المشاركون استحسانًا لما عايشوه وهذه بعض التعليقات من التغذية الراجعة التي تقدموا بها:

  1. “تعلمت منكم الكثير على مدار خمسة أيام؛ كنا خلالها كأسرة واحدة، وشاهدت حماسكم ورغبتكم في إظهار التفاعل مع ما يقدمه دكتورنا الموقر الذي لم يبخل علينا بشيء، ومنه ومنكم تعلمت كيف يكون الإخلاص والتفاني بالعمل، ولن أقول لكم وداعًا بل ستبقى الذكرى والمحبة شامخة في الذاكرة مع الأمل بلقاء قريب”.

2- “تشرفت بكم وبمعرفتكم، واكتسبت الكثير من خبراتكم، والشكر والتقدير للدكتور/ غازي – الله يعطيه العافية -، ولنا لقاء بإذن الله في الدورات القادمة”.

3-“قضينا وقتًا مليئًا بالفائدة وتبادل الخبرات، وتشرفنا بمعرفتكم جميعًا، وإن شاء الله نلتقي بكم في الأيام القادمة، والجميع بأتم الصحة والعافية”.

وفي الختام، لا نقول وداعًا بل إلى لقاءٍ آخر.

Write a comment