د. هيثم المصري – المعافاة في بيئة العمل

المقدمة

يمثل ماستر كلاس المعافاة في بيئة العمل بالشرق الأوسط (MWWM) تجربة معايشة مهنية إقليمية صُممت لتوسيع فهم المعافاة في بيئة العمل بوصفها ممارسة استراتيجية وثقافة مؤسسية، وليست مجرد مبادرة هامشية. وقد جاءت هذه المعايشة تحت مظلة رؤية تركز على إعادة الإنسان إلى مركز بيئة العمل، وربط الأداء المؤسسي بالمعنى، والانتماء، والتصميم الإنساني للمكان، وجودة العلاقات، والاستدامة المهنية. وقد عبّر مخطط رحلة التعلّم بوضوح عن هذا التوجه من خلال التأكيد على أن هدفه هو جمع الرؤى والمساهمات العملية للمشاركين لبناء بيئات عمل تضع المعافاة والمواءمة الثقافية والأداء المستدام في المركز.

استندت رحلة MWWM إلى ستة أبعاد مترابطة للمعافاة التنظيمية، هي: المعافاة الذهنية، والروحية، والجسدية، والاجتماعية، والمالية، والمهنية، بما يعكس تصورًا شاملًا للإنسان داخل المؤسسة. وفي هذا السياق، لم يكن المطلوب من المشاركين اكتساب المفاهيم فقط، بل إعادة تصور بيئة العمل العربية المستقبلية بصورة أكثر إنسانية، وأكثر اتساقًا مع القيم المحلية، وأكثر قدرة على تحويل التعلم إلى ممارسة.

وقد بدا ملائمًا توظيف إطارفيرست في تصميم هذه الرحلة؛ لأن التحدي الرئيس لم يكن يتمثل في نقل محتوى معرفي عن المعافاة فحسب، بل في بناء تجربة معايشة تجعل المتعلم يفكر، ويتحاور، ويجرب، ويعيد التصميم، ثم يحول ما تعلمه إلى مبادرات ومشروعات قابلة للتطبيق. ويظهر من البنية العامة للرحلة أن إطار فيرست كان قد استُخدم سابقًا بوصفه إطارًا يدمج التفاعل والتأمل والتطبيق والانسيابية في تجربة معايشة متكاملة. وقد أتاح MWWM فرصة أوسع لتطبيق هذا الإطار في بيئة متعددة الخلفيات والبلدان والاهتمامات المهنية.

فريق تصميم وتيسير الرحلة

قام بتصميم رحلة MWWM الدكتور هيثم المصري، وشارك في تيسيرها إلى جانب الدكتورة مليحة الفودري. وقد جمع فريق التصميم والتيسير بين الخبرة في التعلّم والتطوير المؤسسي، والكوتشنج، وجودة الحياة في بيئات العمل، وهو ما انسجم بصورة مباشرة مع طبيعة الرحلة وموضوعها وتركيزها على الإنسان داخل المؤسسة.

الدكتور هيثم المصري قائد في التعلّم والتطوير المؤسسي بالقطاع الصحي، وكوتش تنفيذي معتمد (ACC – ICF)، ومتخصص في تمكين القيادات وجودة الحياة في بيئات العمل. يشغل منصب مدير الشؤون الأكاديمية والأداء بمستشفى د. سمير عباس، وهو شريك مؤسس لمجتمع جودة الحياة في بيئة العمل بالشرق الأوسط، ونائب رئيس سابق لفرع ICF السعودية. وقد تولى تصميم الرحلة، كما شارك في تيسيرها.

أما الدكتورة مليحة الفودري فهي كوتش محترفة معتمدة وخبيرة في جودة الحياة المؤسسية، وحاصلة على ماجستير التدريب الصحي الإيجابي من RCSI. كما أنها حائزة على جائزة Prism ولقب أفضل كوتش لعام 2024 من MasterMinds، وتترأس لجنة التدريب في القطاع النفطي الكويتي. وقد شاركت في تيسير رحلة MWWM إلى جانب الدكتور هيثم المصري.

نبذة عن المشاركين وسياقهم

تكوّن MWWM بوصفه رحلة تعلم مهنية إقليمية ركزت على مستقبل بيئات العمل في الشرق الأوسط، وعلى كيفية تصميم أماكن عمل أكثر اتزانًا ومعنى واحتواءً. وأظهر مخطط الرحلة أن المشاركين لم يكتفوا بتلقي الأفكار، بل قدموا رؤى عملية حول معنى المعافاة في المؤسسات، وربطوها بالقيادة، والثقافة، والمساحات، والأنظمة، وتجربة معايشة العاملين. كما تضمّن أصواتًا ومساهمات متعددة من مشاركين من خلفيات متنوعة، وهو ما منح المعايشة ثراءً حقيقيًا، وجعل التعلم أقرب إلى مجتمع ممارسة حي منه إلى لقاء تعلم أو رحلة تعلم تقليدية.

وكان التحدي التصميمي في MWWM هو كيفية تحويل مفهوم واسع مثل «المعافاة في بيئة العمل» إلى تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة تدفع المشاركين إلى الانتقال من الوعي إلى التصميم، ومن التصميم إلى التفعيل، ومن التفعيل إلى الأثر. ولهذا صُممت الرحلة بحيث تجمع بين التأمل الفردي، والحوار الجماعي، والأنشطة التطبيقية، والمشروعات الختامية، والتغذية الراجعة، والتتويج النهائي للمخرجات.

تصميم تجربة المعايشة وتسلسل الأنشطة

لماذا إطار فيرست؟

اعتمد تصميم MWWM على قناعة تربوية مفادها أن التعلم الاعمق أثرًا لا يحدث عندما يُطلب من المشارك أن يسمع فقط، بل عندما يُدعى إلى المعايشة، وإعادة التفسير، وصنع المعنى، والتطبيق. ولهذا كان إطار فيرست مناسبًا لسببين متكاملين؛ الأول أنه يوجه المصمم إلى وضع المتعلم في مركز الرحلة، والانطلاق من احتياجاته وسياقه ودوافعه وتحدياته، والثاني أنه يدعم بناء تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة متدرجة، تنتقل بالمشارك من الإدراك الأولي إلى الأداء الواقعي.

وفي حالة MWWM، لم تكن المعافاة موضوعًا نظريًا؛ فقد تعامل معها المشاركون بوصفها إطارًا لإعادة تصميم واقع العمل. كما أظهر مخطط الرحلة انتقال المشاركين من الرؤية إلى التعهد بالفعل؛ حيث تضمنت المخرجات المعلنة التزامًا بدمج المعافاة في الاستراتيجية المؤسسية، وتطبيق أدوات الكوتشنج، وبناء بيئات أكثر ذكاءً عاطفيًا، وقياس الأثر. وهذا الانتقال من الفكرة إلى التعهد، ثم إلى المشروع العملي، يجسد توجه تجربة معايشة المتعلم النشطة العميقة.

مخرجات التعلم

بنهاية رحلة التعلم، أصبح كل مشارك قادرًا على فهم المعافاة التنظيمية بوصفها منظومة متكاملة، وتحليل بيئة العمل من خلال أبعادها الإنسانية والثقافية والمادية، وتوظيف مبادئ الكوتشنج والحوار والتصميم المشترك في اقتراح حلول أكثر استدامة. كما أصبح قادرًا على ترجمة هذا الفهم إلى تصور تطبيقي لمكان عمل مستقبلي يراعي احتياجات الإنسان، ويحسن جودة تجربة المعايشة المهنية، ويعزز الانسجام بين الأداء والمعنى.

المخرجات الوجدانيّة:

 أن يقدّر المتعلم المعافاة بوصفها خيارًا استراتيجيًا، 

أن ينظر إلى بيئة العمل بوصفها حاملًا للثقافة والمعنى والأداء.

المخرجات المهارية:

 أن يمارس المتعلم الحوار العميق، والإنصات، والتحليل، وإعادة التصميم،

أن يبني نماذج أولية لمبادرات ومشروعات قابلة للتطبيق.

المخرجات المعرفية: 

أن يعدد المتعلم أبعاد المعافاة التنظيمية الستة،

أن يُظهر فهمه للعلاقة بين التصميم المكاني والثقافة المؤسسية وتجربة معايشة العاملين.

مخرجات الأداء: أن يحوّل المتعلم التعلم إلى مشروعات تخرج وعروض ومبادرات قابلة للتطوير داخل المؤسسات والمجتمعات المهنية.

ملخص تصميم الرحلة

بُنيت رحلة MWWM على منطق تعلّمي متدرج يبدأ من المعنى، ثم ينتقل إلى الإطار المفاهيمي، ثم يصل إلى التطبيق والمشروع. وقد دعمت هذه البنية فكرة التعلم النشط العميق من خلال الانتقال المستمر بين التلقي، والحوار، والتأمل، والعمل الجماعي، والعرض، والتغذية الراجعة. كما أسهم هذا التسلسل في الحفاظ على ارتباط المشارك بالرحلة؛ لأن كل مرحلة كانت تمهّد لما بعدها وتمنحها مغزى عمليًا.

ولم تكن الرحلة مجرد سلسلة من لقاءات التعلم، بل كانت مسارًا تعلميًا يدمج الأنشطة، والحوارات الثنائية والجماعية، واللوحات التصورية، والعروض التأملية، والمخرجات الختامية. وهذا ما جعل الرحلة أقرب إلى مختبر تعلم تطبيقي يختبر فيه المشاركون الأفكار من خلال الممارسة والتصميم المشترك.

نشاط تعلم باستخدام نموذج RAR

من أكثر الأنشطة تعبيرًا عن روح إطار فيرست في MWWM نشاط تمحور حول إعادة تصميم بيئة العمل في عام 2034 بما يراعي عناصر المعافاة كافة.

زيادة الجاهزية

دُعي المشاركون في بداية النشاط إلى استحضار خبراتهم الفعلية في بيئات العمل الحالية، وتحديد ما يرفع مستوى المعافاة فيها وما يضعفه. ولم يكن التركيز في هذه المرحلة على الوصول إلى حلول سريعة، بل على تهيئة المشاركين، واستدعاء خبراتهم، وبناء حالة من الانتباه الواعي لما يعيشونه داخل المؤسسة.

تيسير النشاط

انتقل المشاركون بعد ذلك إلى العمل ضمن فرق لتصور نموذج لبيئة عمل مستقبلية تُنمّي المعافاة الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية والمهنية والمالية معًا. واستند هذا التصور إلى الروح التي عكسها مخطط الرحلة، والتي ترى أن بيئة العمل ينبغي أن تخدم الحاجات الإنسانية بقدر ما تخدم الأهداف المؤسسية. وفي أثناء النشاط جرى توظيف الحوار، والتصميم التشاركي، وصياغة المبادرات، وربط التصورات بالقيم والثقافة المحلية.

المراجعة النشطة

في مرحلة المراجعة النشطة، عرضت الفرق تصوراتها وتأملت الافتراضات التي بنت عليها مشروعاتها، ثم ناقشت كيفية ترجمة هذه الأفكار إلى مبادرات داخل مؤسسات حقيقية. ومن خلال التأمل فيما أنتجته الفرق، أتيحت للمشاركين فرصة النظر في معنى تصوراتهم وصلتها بواقع بيئات العمل، ثم التفكير في كيفية نقلها إلى التطبيق. ولم تكن المراجعة تقييمًا للمخرج فقط، بل أتاحت النظر في الفجوة بين المثال المتخيل والتنفيذ الواقعي، وإعادة ضبط الأفكار في ضوء التغذية الراجعة وتنوع وجهات النظر.

تطبيق مجالات إطار فيرست 

F – التركيز على المتعلم

بدأ تصميم MWWM من الإنسان لا من المحتوى؛ فقد تم التعامل مع المشاركين بوصفهم أصحاب خبرة وقصص وأسئلة وتحديات، وليسوا مجرد متلقين ينتظرون الإجابات. لذلك بُنيت تجربة المعايشة بصورة تسمح لهم باستحضار واقعهم المهني، وربط التعلم بسياقاتهم الثقافية والتنظيمية، ثم إعادة إنتاج الفهم في صورة مبادرات ومشروعات. كما عكست مضامين مخطط الرحلة هذا التوجه؛ إذ انطلقت من أصوات المشاركين واقتباساتهم ورؤاهم حول بيئات العمل، ولم تكتفِ بفرض نموذج جاهز عليهم.

I – التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة

تميّز MWWM بكونه تجربة تعلم اجتماعية؛ فقد احتاجت المعافاة، بوصفها موضوعًا إنسانيًا، إلى مساحات للحوار والثقة والإنصات وتشارك الخبرات. ولهذا لم يقتصر التفاعل على الأسئلة والأجوبة، بل تجسد في المناقشات، والتصميمات الجماعية، وتبادل الرؤى، وعروض المبادرات، والممارسات التي تقود إلى بناء مجتمع مهني يتقاسم لغة مشتركة حول المعافاة. كما أظهر المخطط كيف عبّر المشاركون عن تصورات متقاربة حول أن المعافاة ليست رفاهية، بل استراتيجية، وأن بيئة العمل ينبغي أن تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء والمعنى.

R – مراجعة الأنشطة – نموذج RAR

لم تُصمم الأنشطة في MWWM بوصفها فقرات مستقلة، بل بوصفها دورات تعلم مكتملة تبدأ بزيادة الجاهزية، ثم تيسير النشاط، ثم المراجعة النشطة. وقد جعلت هذه البنية كل نشاط فرصة للممارسة، ثم لتثبيت التعلّم وتعميقه من خلال التفكيروالتأمل في تلك الممارسة. وعندما كان المشاركون يعرضون مشروعاتهم أو نماذجهم الأولية، كانوا يقيمون جودة الحلول، كما ينظرون في منطق فهمهم وافتراضاتهم حول الثقافة والقيادة والاحتياجات الإنسانية.

S – التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة

أسهم التسلسل التعلمي في MWWM في جعل الرحلة مترابطة؛ فقد انتقل المشاركون من سؤال: «لماذا المعافاة؟» إلى سؤال: «ما الذي تتضمنه؟»، ثم إلى سؤال: «كيف نعيد تصميم بيئة العمل على أساسها؟»، وأخيرًا إلى سؤال: «كيف نحول هذا كله إلى أداء ومشروع ومجتمع ممارسة؟». وقد دعمت هذه البنية الانسيابية العمق التعلمي، لأنها منحت كل مرحلة امتدادًا منطقيًا لما قبلها، وجعلت الانتقال بين الوعي والتطبيق انتقالًا متدرجًا.

T – تحويل التعلم إلى أداء واقعي ملموس

ظهر هذا المجال بوضوح في رحلة MWWM؛ فالمشاركون لم يغادروا الرحلة ومعهم انطباعات فقط، بل خرجوا أيضًا بمشروعات ومقترحات وتصاميم قابلة للمناقشة والتطوير. كما يبين مخطط البرنامج أن المشاركين تعهدوا بدمج المعافاة في الاستراتيجية، وتطبيق أدوات الكوتشنج، وبناء بيئات أكثر ذكاءً عاطفيًا، وقياس أثر مبادراتهم. وإلى جانب ذلك، أتاحت الرحلة مساحة لتتويج الفرق والمبادرات، وهو ما دعم الانتقال من التعلم إلى الإنجاز، ومن الإنجاز إلى بناء مجتمع خبرة يستمر بعد انتهاء الرحلة.

الخاتمة والأثر 

أثر الرحلة على المشاركين

أنتجت رحلة MWWM أثرًا تجاوز التفاعل اللحظي داخل اللقاءات؛ فقد ساعدت المشاركين على بناء لغة مشتركة حول المعافاة، وعلى رؤية بيئة العمل بوصفها تجربة معايشة إنسانية يمكن تصميمها بوعي. كما دعمتهم في الانتقال من التفكير الفردي إلى التصميم الجماعي، ومن الملاحظة إلى المبادرة. وتُظهر المخرجات أن المشاركين لم يكتفوا بالتعبير عن أفكار ملهمة، بل ربطوا التعلم بخيارات عملية تتعلق بالاستراتيجية، والثقافة، والقيادة، والأدوات، وقياس الأثر.

أثر الرحلة على فريق التصميم والتيسير

أكدت رحلة MWWM لفريق التصميم والتيسير أن إطار فيرست ليس مجرد نموذج نظري، بل إطار عملي لتصميم وتيسير رحلات تعلم مهنية ذات أثر تحويلي. ومن خلال تصميم الدكتور هيثم المصري للرحلة وتيسيرها إلى جانب الدكتورة مليحة الفودري، ظهر كيف يمكن الجمع بين خبرات التعلّم والتطوير المؤسسي، والكوتشنج، وجودة الحياة المؤسسية داخل تجربة معايشة تتمحور حول الإنسان.

وأظهر التطبيق أن الجمع بين التمركز حول المتعلم، والتفاعل الهادف، والمراجعة التأملية، والتسلسل المحكم، والحرص على نقل التعلم إلى الأداء، يعزز قيمة المعايشة ويجعلها أكثر ارتباطًا بالسلوك والممارسة. كما أوضحت الرحلة أن موضوعًا مركبًا مثل المعافاة يصبح أكثر قابلية للتبني حين يُقدَّم من خلال تجربة معايشة متعلم حية، ثقافيًا وإنسانيًا ومهنيًا.

الخلاصة

تكشف قصة MWWM أن المعافاة في بيئة العمل يمكن أن تنتقل من مفهوم ملهم إلى ممارسة قابلة للتصميم والقياس والتفعيل عندما تُبنى الرحلة التعلمية على إطار فيرست. ففي هذه المعايشة، لم يكن المتعلم مستهلكًا للمحتوى، بل شريكًا في صنع المعنى، ومشاركًا في إعادة تصميم الواقع، ومساهمًا في بناء مجتمع مهني حول المعافاة.

 

Write a comment