الأستاذ عبدالله بيطار – قصة تطبيق في تصميم وتيسير تجربة معايشة المتعلم النشطة العميقة باستخدام إطار فيرست

مقدمة قصة التطبيق

بعد الأثر العميق الذي تركته تجربة معايشة إطار “فيرست” في تطوير ممارساتي في مجال تيسير التعلّم (التدريب)، لم تعد رحلتي مع التيسير مجرد مرحلة عابرة في مسيرتي المهنية، بل أصبحت نقطة تحول حقيقية أعادت تشكيل نظرتي إلى التعلم والتدريب. منذ انضمامي إلى رحلة “فيرست”، شعرت أنني أمام تجربة معايشة مختلفة لا تشبه ما سبق أن مررت به، معايشة جعلتني أؤمن أن تيسر التعلّم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتمحور حول بناء تجربة معايشة يعيشها المشارك بكل تفاصيلها، ويشعر بأنها تمسه شخصيًا وتلامس واقعه المهني والإنساني.

تصميم رحلة معايشة متعلم نشطة عميقة

عندما بدأت بتصميم الرحلة ضمن إطار فيرست، لم يكن الأمر مجرد تنسيق محتوى أو إعداد مواد تعلميّة، بل كان بناءً متكاملًا لتجربة معايشة تنبض بالحياة، تراعي احتياجات المشاركين المختلفة، وتلامس تحدياتهم اليومية في العمل والمجتمع. كنت أفكّر في كل تفصيل بعناية: كيف يمكن لهذه الرحلة أن تكون ذات أثر حقيقي في حياة المشاركين؟ وكيف يمكن أن تتحول المخرجات التعلّمية إلى ممارسات واقعية يعيشونها بعد انتهاء اللقاءات؟

انطلقت في التصميم من قناعة بأن التعلم العميق لا يحدث من خلال التلقين، بل من خلال التفاعل، والتأمل، وربط التعلم بالواقع. لذلك حرصت على تحديد مخرجات تعلم أساسية ومتوازية تساعد المشاركين على إحداث أثر إيجابي في مجتمعاتهم وأماكن عملهم. ولم يكن التصميم بالنسبة لي مجرد ورقة عمل، بل خريطة حياة تهدف إلى تجسيد كل ما هو إنساني وعميق داخل تجربة المعايشة.

الانتقال إلى التيسير

مع انتقالي من مرحلة التصميم إلى مرحلة التيسير، بدأت أعيش التحدي الحقيقي. كان السؤال الذي يرافقني باستمرار: هل ستتحول هذه الأفكار إلى تجربة معايشة حيّة يعيشها المشاركون فعلًا؟ وهل سيتمكنون من التفاعل معها بطريقة تجعلها جزءًا من واقعهم؟

خلال التيسير، حرصت على التركيز على المتعلم باعتباره محور الرحلة، وعلى بناء تفاعل حقيقي بين المشاركين ومادة التعلّم وبين المشاركين أنفسهم. لم يكن الهدف أن يستمعوا فقط، بل أن يناقشوا، ويحللوا، ويتبادلوا الأفكار، ويطرحوا حلولًا واقعية لمشكلات مجتمعية ومهنية يواجهونها. ومع كل لحظة تفاعل، كنت أشعر أن المعايشة تتحول تدريجيًا إلى مساحة آمنة للتعبير والتفكير والتغيير.

كما كان لتفاعل المشاركين أثر كبير في تعميق المعايشة؛ إذ بدأت ألاحظ كيف أصبحوا أكثر اندماجًا وجرأة في التعبير عن آرائهم ومشاعرهم، وكيف انعكس ذلك على عمق النقاشات. حتى الكلمات البسيطة التي شارك بها بعضهم بعد اللقاءات كانت تحمل أثرًا عميقًا بالنسبة لي، لأنها عبّرت عن شعور حقيقي بالانتماء للمعايشة والرغبة في الاستمرار.

تفاعل عميق ومستمر مع المتعلمين

مع مرور الوقت، لم أعد أشعر أنني أيسر رحلة تعلّم فحسب، بل أصبحت أعيش رحلة متكاملة مع المشاركين. كنت أتابع تفاعلهم، وألاحظ تطور أفكارهم وسلوكياتهم، وأعمل على تكييف بعض التفاصيل بما يتناسب مع احتياجاتهم الفعلية. هذا التفاعل المستمر منح الرحلة حيوية أكبر، وجعلها أكثر قربًا من واقع المشاركين.

كما كنت أحرص على استثمار اللحظات العفوية التي تظهر أثناء اللقاءات، وتحويلها إلى فرص تعلم ومعايشة حقيقية. فكل تساؤل أو موقف أو مشاركة كان يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو فهم أعمق أو تطبيق أكثر واقعية، وهو ما جعل التجربة مرنة ومتجددة باستمرار.

التطبيق المستمر والتعديل

لم تتوقف الرحلة عند حدود اللقاءات التعلميّة، بل امتدت إلى ما بعدها من متابعة وتطوير وتأمل مستمر. كنت أؤمن أن أي تعلم لا ينعكس على الواقع يبقى ناقصًا، لذلك حرصت على متابعة أثر ما تعلّمه المشاركون في حياتهم العملية، وتشجيعهم على تطبيق الأفكار التي خرجوا بها داخل بيئاتهم المختلفة.

ومع كل تجربة معايشة جديدة، كنت أراجع تفاصيل الرحلة وأسعى إلى تطويرها وتحسينها، سواء من حيث التفاعل أو الأنشطة أو أساليب التيسير. هذا التعديل المستمر لم يكن بدافع التغيير فقط، بل انطلاقًا من إيماني بأن التيسير عملية تعلم مستمرة، وأن نجاح أي رحلة تعلم يرتبط بقدرة الميسر على التأمل والتطوير المستمر.

الأثر الإيجابي والمستدام على المشاركين

كان الأثر الأبرز الذي لمسته بعد هذه الرحلة هو التغيير الحقيقي الذي بدأ يظهر في سلوك المشاركين وطريقتهم في التفكير والتفاعل. لم يعد الأمر متعلقًا باكتساب معلومات أو حضور لقاء تعلّم، بل أصبح مرتبطًا ببناء ثقة أكبر بالنفس، وتعزيز روح المبادرة، والإيمان بالقدرة على إحداث أثر إيجابي في المجتمع.

كما أن استمرار التواصل مع بعض المشاركين بعد انتهاء اللقاءات شكّل مؤشرًا مهمًا على عمق الأثر الذي تركته الرحلة. فقد كانوا يشاركونني تأملاتهم وتطبيقاتهم الجديدة، ويتحدثون عن محاولاتهم لتطبيق ما تعلّموه داخل أعمالهم وحياتهم اليومية، وهو ما أكد لي أن تجربة المعايشة لم تكن حدثًا عابرًا، بل نقطة تحول حقيقية في رحلتهم المهنية والإنسانية.

وتبقى أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة لي تلك التي شعرت فيها أن المشاركين أصبحوا أكثر وعيًا بذواتهم، وأكثر إيمانًا بقدرتهم على النجاح وصناعة التغيير. عندها فقط أدركت أن أثر FIRST-ADLX لا يقاس بعدد الأنشطة أو اللقاءات، بل بما يتركه من أثر عميق ومستدام داخل الإنسان نفسه.

Write a comment