المقدمة
أ.محمد عبدالله ميسرللتعلم ومدرب في مجال التأهيل والتدريب، ويهتم ببناء تجارب معايشة تتجاوز تقديم المحتوى نحو إحداث أثر واقعي في طريقة التفكير والسلوك. خلال مسيرته التدريبية، لاحظ أن كثيرًا من لقاءات التعلم قد تنجح في خلق تفاعل لحظي داخل القاعة، لكنها لا تترك أثرًا حقيقيًا يمتد إلى ما بعد انتهاء اللقاء. ومع تعمقه في إطار FIRST-ADLX، بدأ ينظر إلى رحلات التعلم بوصفها مسارًا متكاملًا يهدف إلى بناء تجربة معايشة متدرجة تقود المشارك نحو الوعي واتخاذ القرار والتطبيق الواقعي.
ظهرت هذه الحاجة أثناء عمله في إحدى البيئات التدريبية المتخصصة، حيث تتطلب طبيعة السياق التدريبي وعيًا عاليًا بالسلوك والانضباط، لأن أي قرار قد يكون له أثر مباشر على الواقع العملي. لذلك اختار العمل على “مدونة السلوك” باعتبارها مرجعًا أساسيًا يحدد كيفية تصرف الفرد في المواقف التي قد لا تكون فيها القرارات واضحة بشكل كامل. لم يكن الهدف تقديم معلومات نظرية حول البنود، بل بناء تجربة معايشة تساعد المشاركين على فهم أثر قراراتهم وانعكاسها على الواقع الذي يعيشونه.
شارك في تجربة المعايشة هذه مجموعة من المشاركين ضمن بيئة حضورية اعتمدت على الحوار، وتحليل المواقف، والعمل الجماعي، والتأمل الفردي. وقد روعي أثناء تصميم اللقاء أن تنتقل تجربة المعايشة بصورة تدريجية من الفهم النظري إلى التأمل الواقعي ثم إلى التفكير في السلوك واتخاذ القرار.
نظرة عامة على التصميم التعلمي
اختار الميسر توظيف إطار فيرست لأن التحدي لم يكن متعلقًا بفهم المحتوى فقط، بل بكيفية بناء تجربة معايشة تغيّر طريقة تفكير المشارك وتعزز وعيه أثناء التعامل مع المواقف الواقعية. وقد ساعدت خريطة الرؤية الشاملة، بالإضافة إلى خرائط التصميم المختلفة التي صممتها مجموعة سيجا، على بناء تصور واضح لرحلة التعلم، بحيث لا ينتقل المشارك بين نقاط تماس مختلفة، بل يعيش تجربة معايشة مترابطة تبدأ من الواقع وتنتهي بالتأمل واتخاذ موقف عملي.
لم تُستخدم الرحلة بوصفها مساحة لشرح مدونة السلوك فقط، بل كمسار يجعل المشارك يعيد النظر في سلوكه، ويقارن قراراته بالنصوص والمعايير، ثم يصل بنفسه إلى فهم أعمق لمعنى الانضباط والمسؤولية.
مخرجات التعلم
المخرجات الوجدانية
أن يستشعر المشارك أثر قراراته على الواقع العملي.
أن يقدّر أهمية الرجوع إلى مدونة السلوك أثناء اتخاذ القرار.
أن يتعامل مع المواقف المهنية بوعي ومسؤولية أكبر.
المخرجات المهارية
أن يحلل المواقف الواقعية وفق مدونة السلوك.
أن يبرر قراراته بالاستناد إلى معايير واضحة.
أن يربط بين السلوك المهني والنتائج الواقعية المترتبة عليه.
المخرجات المعرفية
أن يعرّف مفهوم مدونة السلوك ودورها في العمل.
أن يوضح العلاقة بين السلوك الفردي والانضباط المؤسسي.
أن يعدّد المعايير التي تساعد على اتخاذ القرار المهني الصحيح.
تسلسل الأنشطة وتجربة المعايشة
صُمم لقاء التعلم الحضوري ضمن تسلسل مترابط اعتمد على الانتقال التدريجي من الحوار العام إلى تحليل المواقف الواقعية ثم التأمل الشخصي. بدأ اللقاء بمناقشات أولية ساعدت على استحضار واقع المشاركين وربطهم بالمواقف التي يواجهونها فعليًا، ثم انتقل المشاركون إلى العمل ضمن مجموعات لتحليل مواقف متنوعة واتخاذ قرارات مرتبطة بها، قبل العودة إلى مدونة السلوك لتفسير هذه القرارات والتفكير فيها.
وخلال اللقاء لم يكن الانتقال بين الأنشطة انتقالًا منفصلًا، بل بُنيت المعايشة كمسار واضح ومتدرج، الأمر الذي ساعد على الحفاظ على تركيز المشاركين واستمرار تفاعلهم دون تشتت. كما روعي تنويع أنماط التفاعل بين الحوار الجماعي، والعمل ضمن مجموعات، والتأمل الفردي، بما يتناسب مع طبيعة المشاركين ومستوى الطاقة والانتباه لديهم.
نشاط تعلمي باستخدام نموذج RAR
نشاط تحليل المواقف وفق مدونة السلوك
دُعي المشاركون في بداية النشاط إلى استحضار مواقف واقعية قد يواجهونها أثناء العمل، وخاصة المواقف التي لا تكون فيها القرارات واضحة بشكل كامل. وقام الميسر بتهيئتهم ذهنيًا عبر طرح تساؤلات مفتوحة حول كيفية اتخاذ القرار في الظروف الضاغطة، وما المرجع الذي يمكن العودة إليه عند التردد. كما جرى تقسيم المشاركين إلى مجموعات وتوزيع المواقف عليهم بطريقة ساعدت على خلق حالة من التركيز والاندماج في النقاش.
بدأت المجموعات بمناقشة المواقف المطروحة، وظهر اختلاف واضح في وجهات النظر وطرق التفسير، حيث حاول كل فريق تبرير قراراته بالاستناد إلى فهمه للموقف. وخلال النقاش، عاد المشاركون بشكل متكرر إلى النصوص الموجودة في مدونة السلوك لمحاولة الاستناد إليها في تبرير قراراتهم. لم يكن دور الميسر تقديم الإجابات المباشرة، بل متابعة النقاش، وطرح أسئلة أعمق، وتشجيع المشاركين على إعادة النظر في مواقفهم وتحليل أثر قراراتهم الواقعية.
بعد ذلك، انتقل النشاط إلى مرحلة أكثر عمقًا، حيث طُلب من كل مشارك كتابة موقف حقيقي مرّ به سابقًا، ثم إعادة تقييمه وفق مدونة السلوك. هنا أصبحت المشاركة أكثر شخصية وواقعية، وبدأ المشاركون يعيدون التفكير في مواقف وتصرفات سابقة من منظور مختلف.
في مرحلة المراجعة النشطة، لم يقتصر الحديث على ما قام المشاركون بمناقشته خلال النشاط، بل اتجه إلى التفكير في أثر هذه المعايشة على قراراتهم المستقبلية. بدأ بعضهم يتحدث عن خطوات عملية سيقوم بها لاحقًا، كما ظهرت ملاحظات تعكس إعادة نظر حقيقية في بعض السلوكيات السابقة.
وقد عبّر أحد المشاركين عن ذلك بقوله:
“مررتُ بموقف مشابه، وكنت مقتنعًا بتصرفي، لكنني الآن أراه خطأ.”
هذا النوع من التأمل أظهر أن المعايشة لم تبقَ في إطار النقاش النظري، بل تحولت إلى مراجعة حقيقية للسلوك، وربط مباشر بين التعلم والواقع العملي.
مجالات فيرست في التطبيق
التركيز على المتعلم
ظهر هذا المجال من خلال منح المشاركين مساحة حقيقية للتفكير والتحليل والتعبير عن آرائهم دون فرض إجابات جاهزة عليهم. كما اعتمد الميسر على طرح أسئلة تساعدهم على مراجعة مواقفهم بأنفسهم، مع الثقة بقدرتهم على الوصول إلى استنتاجات واقعية مرتبطة بخبراتهم الشخصية. وقد ساعد ذلك على بناء حالة من الاندماج الحقيقي خلال اللقاء، لأن المشاركين شعروا أن المعايشة ترتبط بواقعهم الفعلي وليس بمحتوى نظري مجرد.
التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة
اتسم اللقاء بروح حوارية قائمة على التفاعل والنقاش وتبادل وجهات النظر. ظهر ذلك بوضوح أثناء العمل الجماعي وتحليل المواقف، حيث ناقش المشاركون أفكارهم بحرية، واستمعوا لوجهات نظر مختلفة، وحاولوا الوصول إلى تفسيرات مشتركة. كما ساهم أسلوب الميسر الهادئ في خلق بيئة آمنة تسمح بالمراجعة والتأمل دون خوف من الخطأ.
مراجعة الأنشطة – نموذج RAR
طُبق نموذج RAR بصورة مترابطة طوال النشاط، بدءًا من تهيئة المشاركين ذهنيًا عبر استحضار المواقف الواقعية، ثم تيسير النقاش وتحليل القرارات داخل المجموعات، وصولًا إلى المراجعة النشطة التي دفعت المشاركين إلى إعادة التفكير في مواقفهم السابقة وربط التعلم بخطوات مستقبلية عملية.
التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة
بُني لقاء التعلم وفق مسار واضح ومتدرج بدأ من استحضار الواقع، ثم تحليل المواقف، ثم العودة إلى مدونة السلوك، وأخيرًا التأمل الشخصي. هذا التسلسل ساعد على انتقال المشاركين بصورة طبيعية من مرحلة إلى أخرى دون انقطاع. كما تكررت المفاهيم الأساسية بطرق متنوعة من خلال النقاش، وتحليل الحالات، والكتابة الفردية، الأمر الذي عزز التعلم دون شعور بالتكرار المباشر.
تحويل التعلم إلى أداء واقعي ملموس
ظهر هذا المجال بصورة واضحة عندما بدأ المشاركون يربطون بين ما يحدث خلال اللقاء وبين مواقف حقيقية مروا بها في الواقع. كما ساعدت عملية إعادة تقييم المواقف السابقة وفق مدونة السلوك على تحويل التعلم من فكرة نظرية إلى مراجعة عملية للسلوك واتخاذ القرار. وقد انعكس ذلك في حديث المشاركين عن خطوات مستقبلية وتغييرات عملية ينوون تطبيقها لاحقًا أثناء العمل.
الخاتمة والأثر
أثر المعايشة على المشاركين
أظهرت التفاعلات التي حدثت خلال اللقاء أن المشاركين لم يكتفوا بفهم مدونة السلوك بوصفها نصوصًا مكتوبة، بل بدأوا ينظرون إليها كمرجع يساعدهم على فهم الواقع واتخاذ قرارات أكثر وعيًا. ومع تقدم اللقاء، أصبحت الأسئلة أعمق، والإجابات أكثر دقة، وبدأ الربط بين النصوص والواقع يظهر بصورة أوضح.
كما كشفت الأوراق والملاحظات التي كتبها المشاركون عن مراجعات حقيقية لبعض المواقف السابقة، الأمر الذي عكس انتقال التعلم من مستوى المعرفة إلى مستوى التأمل والتغيير في طريقة التفكير.
أثر المعايشة على الميسر
أدرك الميسر من خلال هذه المعايشة أن خريطة الرؤية الشاملة وغيرها من الخرائط ليست مجرد أدوات لتنظيم اللقاء، بل مسار يساعد على بناء تجربة معايشة مترابطة تقود المشارك تدريجيًا نحو الوعي واتخاذ القرار. كما لاحظ أن بناء التسلسل بطريقة واضحة ساعد على الحفاظ على تركيز المشاركين ومنع التشتت بين الأنشطة.
وفي نهاية المعايشة، لم يشعر بأنه شرح مدونة السلوك فقط، بل شعر أن المشاركين أصبحوا ينظرون إلى سلوكهم وقراراتهم بطريقة مختلفة وأكثر وعيًا.