أ.محمد خاروف – تقديم النفس والوظيفة

المقدمة

أ. محمد خاروف ميسّر لغة إنجليزية من سوريا، يقيم في إدلب. يحمل خلفية أكاديمية في الأدب الإنجليزي وتيسير تعلّم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية (TEFL)، ويتمتع بخبرة تمتد إلى ستة عشر عامًا في تيسير التعلّم. يختص بالعمل مع المتعلمين البالغين ومساعدتهم على بناء المهارات الأساسية ضمن بيئة داعمة ومحفّزة. ومن خلال خبرته في تيسير تعلّم اللغة الإنجليزية للكبار، أصبح مهتمًا بشكل متزايد بتصميم تجارب معايشة متعلّم تتجاوز الحفظ والتلقين والخوف من الخطأ، نحو الثقة والمشاركة والتفاعل الهادف من خلال إطار فيرست.

شارك في رحلة التعلّم هذه مجموعة من الموظفين الحكوميين البالغين، الذين يمتلكون دافعية عالية للتطور المهني، إلا أنهم كانوا مبتدئين تمامًا في اللغة الإنجليزية. (A0)  وكان كثير منهم بعيدًا عن أجواء التعلّم الرسمية منذ سنوات طويلة، ويشعر بالقلق تجاه تعلّم لغة جديدة، وغالبًا ما كان يشعر بالخجل أو الخوف من ارتكاب الأخطاء. وفي الوقت نفسه، كانوا منضبطين ومحترمين ومعتادين على أساليب التعلّم الرسمية القائمة على المحاضرة والتلقين. وقد أثّر هذا التحدي في رغبتهم في المشاركة، وحدّ من ثقتهم في استخدام اللغة الإنجليزية أمام الآخرين.

نشارككم في قصة التطبيق هذه وحدة تعلّمية تمهيدية امتدت لأربعة أسابيع حول موضوع “تقديم النفس والوظيفة”. وبدلًا من الاعتماد على التكرار التقليدي وحفظ العبارات المعزولة، استخدم الميسر إطار فيرست لتصميم الرحلة التعلّمية بهدف خلق تجربة معايشة آمنة وداعمة وعملية. وكان الهدف مساعدة المتعلمين على بناء الثقة تدريجيًا، وتعزيز التفاعل الإيجابي بينهم، وجعل اللغة الإنجليزية أداة تواصل عملية يمكن استخدامها مباشرة في واقعهم المهني.

ثانيًا: تصميم تجربة المعايشة وتسلسل الأنشطة

اختار أ.محمد إطار FIRST-ADLX لأنه وفر إطارًا لتحويل بيئة التعلّم من بيئة قائمة على التلقين إلى تجربة معايشة متعلم نشطة عميقة تراعي مشاعر المتعلمين ومخاوفهم واحتياجاتهم الواقعية. وبما أن المشاركين كانوا من البالغين المبتدئين الذين يعانون من مستويات مرتفعة من القلق، فقد ساعد الإطار على خلق بيئة آمنة ومشجعة أصبحت فيها الأخطاء فرصًا للتعلم بدلًا من كونها مصدرًا للإحراج. كما دعم الإطار التطور التدريجي للثقة والتفاعل والتطبيق الواقعي.

مخرجات التعلم

بحلول نهاية هذه الرحلة، أصبح كل مشارك قادرًا على أن:

مخرجات التعلم الوجدانيّة

  • يعزّز ثقته بنفسه للتحدث باللغة الإنجليزية أمام المجموعة دون خوف من السخرية.
  • يتقبل الأخطاء باعتبارها جزءًا طبيعيًا ومفيدًا من عملية التعلم.
  • ينمي روح الدعم المتبادل والتشجيع بين الزملاء.

مخرجات التعلم المهارية

  • ينطق العبارات الأساسية مثل التحيات والتعريف بالنفس والمسميات الوظيفية بوضوح يمكن فهمه.
  • يجب عن الأسئلة البسيطة مثل: “ما اسمك؟” و “ما وظيفتك؟”.
  • يكتب تعريف بسيط بالنفس مكوّن من ثلاث جمل.

مخرجات التعلم المعرفية

  • يعدد الحروف الأبجدية والأصوات الأساسية للحروف الإنجليزية.
  • يعدد المفردات المرتبطة بالتحيات والمسميات الوظيفية الشائعة.
  • يذكر تسلسل الكلمات في الجمل (تراكيب الجمل مثل: “My name is…” و “I am a/an…” )

مخرجات تعلم موازية

  • يقف ويتحدث بوضوح باعتبارها مهارة مهمة في العمل الحكومي.
  • يناقش أهمية التحيات والتفاعل المهذب في الثقافات المختلفة.
  • يطور مهارة الإصغاء النشط للزملاء وتقديم تغذية راجعة داعمة.

مخرج الأداء

  • يقدّم نفسه ووظيفته لزميل أجنبي بطريقة بسيطة وواثقة وسليمة نحويًا.

امتدت هذه الرحلة التعلّمية على مدار أربعة أسابيع، حيث بُني كل أسبوع على ما سبقه. كانت اللقاءات تزامنية وحضورية، وقد راعى تسلسل الأنشطة نقطة البداية الخاصة بالمتعلمين باعتبارهم مبتدئين تمامًا ويشعرون بقلق مرتفع، ثم انتقل بهم تدريجيًا نحو الثقة والأداء الواقعي.

في الأسبوع الأول، وضع الميسر جهده في خلق الأمان وزيادة الجاهزية. مارس المتعلمون التحيات البسيطة من خلال التكرار والحركة. كما قدّم الميسر فكرة أن “الأخطاء أصدقاؤنا”، وتم الاحتفاء بما سُمّي “الأخطاء الجيدة”. واستخدمت بطاقات الأسماء، وتدرّب المشاركون على نطق أسماء بعضهم البعض في أجواء ترحيبية.

أما في الأسبوع الثاني، فقد انتقل المتعلمون إلى تقديم أنفسهم باستخدام عبارات بسيطة مثل “اسمي…” و “أنا من سوريا/إدلب”. تدرب المشاركون أولًا ضمن ثنائيات قبل المشاركة أمام المجموعة كاملة. وقد راعى هذا التسلسل مستويات القلق لديهم من خلال منحهم فرصة التدريب داخل تفاعلات صغيرة وآمنة قبل التحدث أمام الجميع.

وفي الأسبوع الثالث، بدأ المتعلمون بتقديم الوظائف. استخدم الميسر صورًا من المجلات وبطاقات مصورة بسيطة لربط المفردات الإنجليزية بوظائف المتعلمين الحقيقية. تدرب المشاركون على جمل مثل “أنا معلم” أو “أنا موظف إداري”، وعزّزت المفردات من خلال لعبة تخمين بسيطة.

أما الأسبوع الرابع، فقد شهد دمج جميع عناصر التعلم السابقة ضمن مهمة أداء نهائية. تدرب المشاركون على تقديم أنفسهم بشكل كامل، كما ناقشوا لغة الجسد والابتسامة والتواصل البصري. وفي النهاية، سجّلوا مقاطع فيديو قصيرة يعرّفون فيها بأنفسهم، وشاركوا في “جلسة مشاهدة” احتفالية تم خلالها تقدير شجاعة الجميع وتقدمهم.

لقد راعى التسلسل العام مستويات الطاقة، والجاهزية النفسية، والتدرج المنطقي، والتطبيق الواقعي. فقد انتقلت الأنشطة من التفاعل الاجتماعي الآمن نحو التواصل العملي ثم إلى الأداء المستقل والاحتفال بالإنجاز.

أحد الأنشطة التعلّمية باستخدام نموذج RAR

نشاط “معرض المسميات الوظيفية

دعا أ.محمد المشاركين أولًا إلى مرحلة زيادة الجاهزية من خلال نشاط تمثيلي مرح مرتبط بالمسميات الوظيفية التي سبق تعلمها. قام الميسر بتمثيل بعض المهن مثل “السائق” أو “المعلم”، بينما حاول المشاركون التعرف على المهنة باللغة الإنجليزية. خلق هذا النشاط أجواء تفاعليّة، وأعاد تنشيط المعرفة السابقة، وهيّأ المشاركين ذهنيًا واجتماعيًا للاندماج بشكل أعمق مع المفردات. بعد ذلك، قدّم التعليمات، ووزع الأدوات، وحدد الوقت، ثم بدأت مرحلة تيسير النشاط، كما وُضعت أوراق كبيرة حول القاعة، احتوت كل منها على اسم وظيفة مختلفة مثل “معلم”، “مهندس”، “طبيب”، أو “موظف إداري”.

خلال مرحلة تيسير النشاط، عمل المشاركون ضمن مجموعات صغيرة، وانتقلوا بين الملصقات حاملين أقلام التحديد. وعند كل محطة، أضافوا بشكل تعاوني كلمات إنجليزية مرتبطة بتلك الوظيفة. وقام أ.محمد بتشجيعهم على استخدام ملاحظاتهم، وجدار الكلمات داخل الصف، ودعم الزملاء أثناء مناقشة الأفكار معًا. وقد خلق النشاط حركة وتفاعلًا وتعاونًا واستخدامًا نشطًا للغة المستهدفة ضمن بيئة داعمة.

أما في مرحلة المراجعة النشطة، فقد اجتمع المشاركون مجددًا في دائرة بينما عاد الميسر إلى الملصقات وناقش الكلمات التي استخدمها المتعلمون. تأمل المتعلمون في الوظائف التي كان وصفها أسهل أو أصعب، وما الذي يكشفه ذلك عن تطور مفرداتهم اللغوية. ثم تمت دعوتهم لربط النشاط بهدف الأداء الشخصي الخاص بهم من خلال العودة إلى جمل التعريف بالنفس التي كانوا يتدربون عليها، والتفكير في كيفية استخدام مفردات إضافية من الملصقات لتطوير تعريفاتهم المستقبلية. ومن خلال هذا التأمل، انتقل المشاركون من مجرد إنجاز المهمة إلى فهم أهميتها العملية بالنسبة لمهارات التواصل والتفاعل المهني المستقبلي.

مجالات فيرست أثناء التطبيق

التركيز على المتعلم

حرص الميسر على تخصيص تجربة المعايشة وبناء الثقة مع المشاركين طوال الرحلة. ومن الأمثلة على ذلك “لوحة خطأ اليوم”، حيث كانت الأخطاء تُعرض بشكل مجهول ويتم إعادة تقديمها كفرص إيجابية للتعلم. وبدلًا من إحراج المتعلمين، أصبحت الأخطاء لحظات تعلم مشتركة وفرصًا للنمو. كما تم منح المتعلمين مساحة لامتلاك تعلمهم من خلال أنشطة العمل الثنائي وقوائم التحقق الذاتية التي تابعوا من خلالها نطقهم وفهمهم. وقد ساعدت هذه الممارسات على نقل جزء من المسؤولية التعليمية إلى المتعلمين ضمن بيئة داعمة وآمنة.

التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة

عزّز أ.محمد التفاعل الإيجابي من خلال بناء بيئة اجتماعية داعمة وأنماط تواصل مشجعة. فقد تم ترتيب المقاعد على شكل دائرة منذ اللقاء الأول لتقليل الرسمية وتعزيز الشعور بالمساواة والتقارب. كما أتاحت الأنشطة الافتتاحية للمشاركين مشاركة اهتماماتهم الشخصية باللغة العربية، بينما كان الميسر يترجمها إلى الإنجليزية ويكتبها على اللوح، مما أظهر احترامه لهوياتهم وخبراتهم. كذلك، ساعدت استراتيجية “فكر – زاوج – شارك” على منح كل مشارك فرصة للتدرب بأمان مع زميل قبل الحديث أمام الجميع، الأمر الذي خفف القلق وعزز الدعم الجماعي.

مراجعة الأنشطة – نموذج RAR

حرص الميسر على تطبيق نموذج RAR باستمرار خلال الرحلة التعلّمية. فقد تضمنت مراحل زيادة الجاهزية الحركة والألعاب والعروض التوضيحية وتنشيط المعرفة السابقة والتهيئة النفسية. أما أثناء تيسير الأنشطة، فقد دعم أ.محمد المشاركين من خلال العمل الثنائي والجماعي والحركة والتشجيع المستمر. بينما حدثت المراجعة النشطة بعد الأنشطة عبر أسئلة تأملية دعت المشاركين لربط تجربتهم بالنمو الشخصي والتطبيق المستقبلي. وقد ركزت هذه المراجعات النشطة ليس فقط على صحة اللغة، بل أيضًا على الثقة والتواصل والاستخدام الواقعي.

التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة

صُممت الرحلة التعلّمية بتسلسل تدريجي بدأ بالتفاعل الآمن والاجتماعي ثم انتقل نحو الأداء المتكامل. فقد عاش المتعلمون أولًا أنشطة منخفضة المخاطرة تركز على التحيات والأسماء قبل الانتقال إلى التواصل الشخصي والمهني. كما حرص الميسر على تجنب الحمل المعرفي الزائد من خلال تقديم عدد محدود من العبارات الجديدة في كل لقاء والتأكد من إتقانها قبل إضافة عناصر جديدة. وتم تكرار المفاهيم بطرق متنوعة مثل الحركة والألعاب والعمل الثنائي والأنشطة الجماعية ومهام الأداء، مما عزز التكرار دون ملل. كذلك، استمر ربط التعلم بهويات المتعلمين ووظائفهم الواقعية، الأمر الذي زاد من المعنى والاحتفاظ بالتعلم.

تحويل التعلم إلى أداء واقعي ملموس

تحوّل التعلم إلى أداء واقعي من خلال المهمة الختامية التي تمثلت في تقديم المشاركين لأنفسهم كما لو أنهم يلتقون بزميل أجنبي. وقد ارتبطت هذه المهمة مباشرة بحاجات تواصل حقيقية ومنحت المتعلمين فرصة لإنتاج أداء شخصي واقعي يمكنهم الافتخار به. كما ساعدت فرص التدريب المتعددة والتغذية الراجعة الإيجابية على بناء الثقة والمهارة تدريجيًا قبل الأداء النهائي. وظل الربط بين التأمل والممارسة والواقع المهني حاضرًا طوال الرحلة، مما جعل التعلم ذا معنى وقابلًا للنقل والتطبيق.

الخاتمة

أثر الرحلة على المشاركين

كان أثر الرحلة على المشاركين إيجابيًا بل وعاطفيًا لدى بعضهم. فقد بدأ المتعلمون الذين كانوا صامتين في الأسابيع الأولى بالمشاركة التدريجية وإظهار قدر أكبر من الثقة والرغبة في التفاعل. كما عبّر المشاركون عن أنهم لم يعودوا يخافون من ارتكاب الأخطاء، وأن أجواء لقاءات التعلّم أصبحت داعمة وليست قائمة على الحكم أو السخرية. وذكر بعضهم أن هذه كانت المرة الأولى التي يستمرون فيها بتعلم اللغة الإنجليزية دون رغبة في الانسحاب، لأنهم شعروا بأنهم جزء من فريق وليسوا مجرد طلاب داخل صف.

وأصبح التحول في ديناميكيات المجموعة واضحًا بشكل خاص في الأسبوع الرابع، عندما بدأ المشاركون بتشجيع بعضهم البعض وتقديم تصحيحات داعمة والاحتفال بنجاحات زملائهم. لقد تحول الصف إلى مجتمع ممارسة حقيقي أصبحت فيه المشاركة والتشجيع والتعاون جزءًا من ثقافة التعلم.

أثر الرحلة على الميسر

ساهم تطبيق إطار FIRST-ADLX في تحويل دور الميسر من ناقل للمعرفة إلى مصمم لتجارب المعايشة. فقد انتقل التركيز من مجرد تقديم المحتوى إلى تصميم تجارب معايشة متعلّم تراعي مشاعر المتعلمين وعلاقاتهم ومشاركتهم وثقتهم بأنفسهم.

وكان من أهم القناعات التي ترسخت لدى الميسر أن الأمان النفسي ليس عنصرًا إضافيًا في التعلم، بل هو شرط أساسي للمشاركة والنمو الحقيقي. كما أصبح أكثر حرصًا على إدماج التأمل وبناء العلاقات والتدرج في جميع مراحل الرحلة التعليمية، وأصبحت هذه العناصر جزءًا أساسيًا من التعلم العميق والأداء الواقعي.

أثر الرحلة على المدرسة والمجتمع

أصبحت الأجواء الإيجابية داخل الصف ملحوظة حتى خارج قاعات التعلّم. فقد حافظت نسبة الحضور على ارتفاعها طوال الأسابيع الأربعة لأن المشاركين شعروا بالانتماء للمجموعة والحماس للاستمرار. كما امتد الدعم المتبادل خارج الصف عندما قام أحد المشاركين بزيارة زميل له تغيّب عن أحد اللقاءات ليشرح له ما تمت معايشته ويشاركه المهمات غير المتزامنة. وقد شكّل هذا التصرف التلقائي دليلًا قويًا على عمق الأثر الإيجابي الذي نتج عن تجربة المعايشة.

وفي الختام، أظهرت هذه القصة أن تطبيق إطار FIRST-ADLX قادر على تحويل تعلم اللغة إلى تجربة إنسانية عميقة تصبح فيها الثقة والمشاركة والعلاقات والأداء الواقعي عناصر أساسية في رحلة التعلم.

Write a comment