المقدمة
أ.هدى محمد جدعان هي مربية من سوريا تمتلك خبرة تمتد لأربعٍ وعشرين سنة في مجال تيسير تعلّم اللغة الإنجليزية. تعمل حاليًا رئيس لقسم اللغة الإنجليزية في معهد إعداد المدرسين في مدينة حماة. إلى جانب خبرتها الطويلة في تيسير التعلّم، تابعت دراسة الماجستير في دمج التكنولوجيا في التعليم، الأمر الذي عمّق فهمها للتيسير المتمركز حول المتعلم والتحول التعلّمي الهادف. ومن خلال رحلتها المهنية، توصلت إلى قناعة بأن تيسيرالتعلّم لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتمثل في تيسير نمو الإنسان وخلق مساحات تساعد المشاركين على اكتشاف إمكاناتهم.
في رحلة التعلّم التي صممتها ويسرتها تحت عنوان “تحدث دون خوف”، عملت أ.هدى مع مجموعة من المعلمين المستقبليين في أوائل العشرينات، يتمتعون بالذكاء والطموح والقدرة العالية على التعامل مع التكنولوجيا، إلا أنهم كانوا يواجهون حاجزًا نفسيًا كبيرًا عند التحدث باللغة الإنجليزية. فقد خلق شعورهم بالمسؤولية المرتبطة بأدوارهم المهنية المستقبلية إلى ارتباك وقلق من ارتكاب الأخطاء بينما يتحدثون امام الجميع باللغة الاجنبيّة. وقد أثر هذا القلق على مشاركتهم وثقتهم بأنفسهم واستعدادهم للتفاعل العفوي أثناء الأنشطة التعلّمية، مما جعل بيئة التعلم يغلب عليها التردد والصمت رغم امتلاكهم للقدرات والمعرفة.
أُقيمت هذه الرحلة في معهد إعداد المدرسين في حماة مع مجموعة من المعلمين المستقبليين الذين يستعدون لخوض مسيرتهم المهنية. وقد مثّل المشاركون جيلًا من المشاركين الذين يمتلكون إمكانات أكاديمية قوية ووعيًا تكنولوجيًا جيدًا، لكنهم كانوا بحاجة إلى بيئة آمنة داعمة تساعدهم على التعبير عن أنفسهم بثقة. ومن خلال تطبيق إطار FIRST-ADLX، حولت أ.هدى بيئة التعلم إلى تجربة معايشة متعلم آمنة وداعمة، دُعي فيها المشاركون إلى إعادة اكتشاف قدراتهم والتغلب تدريجيًا على خوفهم من التحدث باللغة الإنجليزية.
تصميم تجربة المعايشة وتسلسل الأنشطة
اختارت أ.هدى إطار FIRST-ADLX لأنه يتوافق بصورة كبيرة مع الطبيعة النفسية والاجتماعية للتحدي الذي كان يواجهه المشاركون. فالمشكلة لم تكن نقصًا في المفردات أو ضعفًا في المعرفة اللغوية، بل تمثلت في الخوف والتردد والقلق المرتبط بالتواصل باللغة الإنجليزية. وقد وفر الإطار بنية تحترم مشاعر المشاركين، وتشجع المشاركة الحقيقية، وتركز على التيسير الإنساني. ومن خلال مجالاته، أتاح الإطار أن تتحول الرحلة التعلّمية إلى مساحة آمنة للتفاعل والتأمل والأداء الواقعي بدلًا من أن تكون لقاءًا تقليديًا يركز فقط على الدقة اللغوية.
مخرجات التعلم
بحلول نهاية هذه الرحلة التعلّمية، تمكن كل مشارك من تحقيق المخرجات التالية:
المخرجات الوجدانيّة
- أن يطوّر الثقة في التحدث باللغة الإنجليزية دون خوف من الأخطاء.
- أن يقدّر الأخطاء بوصفها فرصًا للنمو والتعلم.
- أن يثمّن التواصل الداعم والمشاركة التعاونية.
المخرجات المهاريّة
- أن يشارك في حوارات عفوية وغير معدة مسبقًا باللغة الإنجليزية.
- أن يعبّر عن أفكاره ومشاعره بطريقة واضحة.
- أن يُظهر مهارات الإصغاء الفعال والتعاطف المهني أثناء التفاعل.
- أن يستخدم مفردات إبداعية وذات معنى بدلًا من العبارات المحفوظة والآلية.
المخرجات المعرفيّة
- أن يعدد مفردات إبداعية وذات معنى بدلًا من العبارات المحفوظة والآلية.
- أن يحدد أساليب التواصل الفعالة التي تدعم الاستخدام الحقيقي للغة.
مخرجات الأداء
- أن ييسّر لقاءّا تعلميًّا مصغرًا باللغة الإنجليزية بطلاقة مستخدمًا لغة الجسد الإيجابية.
تضمنت رحلة التعلّم لقاءًا تعلم حضوريًا تفاعليًا دمج بين التهيئة العاطفية والحركة والحوار والتفاعل التأملي. وقد راعى تسلسل الأنشطة الحالة النفسية للمتعلمين وانتقل بهم تدريجيًا من التأمل الداخلي نحو التواصل الواثق أمام الآخرين. بدأ اللقاء بلحظات تهيئة ذات طابع عاطفي، تلتها أنشطة قائمة على الحركة والحوار شجعت المشاركة الآمنة. كما حافظ تسلسل الأنشطة على توازن بين الطاقة والراحة والتأمل والتعبير، بما يضمن بقاء المشاركين مندمجين دون الشعور بالضغط أو القلق المفرط. كذلك راعى التسلسل هوية المشاركين بوصفهم معلمين مستقبليين، من خلال منحهم مساحة لقيادة التفاعلات واستخدام اللغة الإنجليزية في سياقات واقعية.
نشاط تعلمي باستخدام نموذج RAR
تمحور النشاط التعلمي الرئيسي في هذه الرحلة حول تجربة “الحقيبة الغامضة”. في مرحلة زيادة الجاهزيّة، دُعي المشاركون إلى إغلاق أعينهم وتخيّل أنهم يمدّون أيديهم داخل “حقيبة غامضة” تحتوي على غرض يعبّر عن شغفهم الشخصي بتيسير التعلّم. ساهمت هذه اللحظة في خلق جاهزية ذهنية وعاطفية، حيث انتقل المشاركون من القلق بشأن صحة اللغة إلى التأمل في أحلامهم وطموحاتهم الشخصية. وقد ساعد استخدام الخيال والمعنى الشخصي على تقليل القلق وزيادة رغبة المشاركين في المشاركة. فبدلًا من الشعور بأنهم موضع تقييم، شعر المشاركون بارتباط عاطفي بالنشاط وحماس لمشاركة “كنوزهم” المتخيلة مع الآخرين.
بعد ذلك، انتقل المشاركون للتفاعل خلال مرحلة تيسير النشاط فتحركوا داخل القاعة وتبادلوا الحديث حول القصص المرتبطة بالأغراض التي تخيلوها. وقد جرى التفاعل بصورة طبيعية بينما كان المشاركون يتبادلون الخبرات والمشاعر باللغة الإنجليزية دون الاعتماد على نصوص محفوظة مسبقًا. وخلال النشاط، حافظت الميسّرة على دورها كشريكة وداعمة ومرشدة بدلًا من أن تكون مراقبة تركز على التصحيح، مما خلق جوًا اجتماعيًا مريحًا ساعد المشاركين على التواصل بحرية وثقة أكبر مع استمرار التفاعل فيما بينهم.
أما مرحلة المراجعة النشطة فقد تمت من خلال “دائرة التأمل”، حيث اجتمع المشاركون معًا للحديث عن تجربتهم. تأملوا في شعورهم أثناء التحدث بحرية ومشاركة معانٍ شخصية باللغة الإنجليزية. ومن خلال النقاش، أدرك المشاركون كيف ساعدهم النشاط على تجاوز الخوف والارتباط العاطفي باللغة. كما ناقشوا أهمية خلق بيئات تعلم آمنة نفسيًا في أدوارهم المستقبلية كمعلمين. وشجعتهم هذه المراجعة على التفكير في كيفية تطبيق ممارسات مشابهة مع طلابهم مستقبلًا لبناء الثقة والمشاركة والتواصل الحقيقي.
مجالات إطار فيرست في التطبيق
– التركيز على المتعلم
أظهرت تجربة المعايشة مجال التركيز على المتعلم من خلال إعطاء الأولوية لأصوات المشاركين ومشاعرهم ومشاركتهم طوال اللقاء. فقد مُنح المشاركون مساحة لقيادة الحوارات والتعبير عن أنفسهم بحرية دون خوف من التصحيح الفوري. كما ركزت الميسّرة بشكل مقصود على التواصل الحقيقي بدلًا من الكمال اللغوي، مما جعل المشاركين يشعرون بالثقة والتقدير. كذلك احترمت الأنشطة خبرات المشاركين الفردية وشغفهم من خلال دعوتهم لربط تعلم اللغة بطموحاتهم الشخصية كمعلمين مستقبليين.
– التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة
فُعّل التفاعل الإيجابي من خلال خلق أجواء داعمة واجتماعية طوال اللقاء. فقد ساهم مفهوم “كعكة التعلم” في تشجيع كل مشارك على المساهمة الفاعلة، مما عزز شعور المجموعة بأنها عائلة داعمة وليست مجموعة تقليدية قائمًا على التنافس. كما ساهم التفاعل القائم على الحركة أثناء مرحلة تيسير النشاط في نشاط الحقيبة الغامضة في تعزيز الروابط بين المشاركين وتقليل مشاعر الخوف أو العزلة. وحافظت الميسّرة على روح إيجابية من خلال التشجيع والتقبل والدعم النفسي، الأمر الذي ساعد المشاركين على البقاء متحفزين ومنتبهين طوال تجربة المعايشة.
-مراجعة الأنشطة -نموذج RAR
استخدم نموذج RAR لتصميم الأنشطة التعلميّة. فقد تحققت زيادة الجاهزية من خلال الخيال والارتباط العاطفي والتهيئة النفسية قبل بدء التفاعل في مرحلة تيسير النشاط. أما تيسير النشاط فقد ركز على التفاعل والحركة والسرد والحوار الحقيقي ضمن بيئة داعمة. بينما تمت المراجعة النشطة خلال “دائرة التأمل”، حيث تأمل المشاركون في معنى تجربتهم والأثر العاطفي للتحدث بحرية باللغة الإنجليزية. وقد ساعدت هذه العملية التأملية على تعميق وعي المشاركين بنموهم الشخصي وأهمية التيسير الداعم نفسيًا.
– التسلسل والانسيابية أثناء تجربة المعايشة
صُمم تسلسل اللقاء بعناية لينتقل المشاركون تدريجيًا من الجاهزية العاطفية إلى الأداء الواقعي. فقد بدأ التدفق بلحظة اجتماعية محفزة ساعدت على تقليل القلق وتهيئة المشاركين ذهنيًا وعاطفيًا للمشاركة، ثم انتقلت الأنشطة إلى الحركة والسرد والحوار قبل أن تُختتم بالتأمل والاحتفاء. كما حافظ تنوع الأنشطة على انتباه المشاركين وراعى مستويات الطاقة لديهم طوال اللقاء. وتمت إعادة المفاهيم الأساسية المتعلقة بالثقة والتواصل الحقيقي وصوت المتعلم بطرق طبيعية ومتنوعة دون خلق ملل أو تكرار مباشر.
– تحويل التعلم إلى أداء واقعي ملموس
حولت الرحلة التعلّمية تعلم اللغة من مادة نظرية إلى تجربة إنسانية معاشة. فقد انتقل المشاركون من دراسة اللغة الإنجليزية كمتطلب أكاديمي إلى أدائها بصورة حقيقية أثناء مشاركة جوانب ذات معنى من هوياتهم وطموحاتهم المستقبلية. كما شجعت عملية التأمل المشاركين على ربط التجربة بأدوارهم المهنية المستقبلية كمعلمين، والتفكير في أثر البيئات الداعمة نفسيًا على مشاركة المشاركين. كذلك ساهمت الرحلة في تعزيز الاستمرارية من خلال إلهام المشاركين لتطبيق أساليب مشابهة في التواصل والتيسير داخل صفوفهم المستقبلية.
الخاتمة
ظهر أثر تجربة المعايشة بوضوح في ثقة المشاركين وتفاعلهم واستعدادهم للتواصل. فالطلاب الذين كانوا يترددون سابقًا في التحدث باللغة الإنجليزية أصبحوا أكثر انفتاحًا على المشاركة وأكثر راحة في التعبير عن أنفسهم بصورة حقيقية. وقد ساعدت البيئة الآمنة نفسيًا التي تم بناؤها خلال اللقاء على تحويل القلق إلى حماس، وأظهر المشاركون تفاعلًا أقوى وطلاقة أفضل وروابط إيجابية أعمق فيما بينهم. والأهم من ذلك أنهم عاشوا اللغة الإنجليزية بوصفها أداة للتعبير الإنساني والنمو المهني بدلًا من كونها مصدرًا للخوف.
أما بالنسبة للميسّرة، فقد كانت هذه الرحلة تذكيرًا عميقًا بالغاية الحقيقية من تيسير التعلّم. فبعد أربعٍ وعشرين سنة من الخبرة، أعادت هذه الرحلة التأكيد على أن التعلم الحقيقي يبدأ عندما نتعامل مع المشاركين كبشر أولًا. كما عزز تطبيق إطار FIRST-ADLX قناعة الميسّرة بأهمية التيسير الذي يقدّر المشاعر والثقة والمشاركة والتفاعل الحقيقي. وقد ساعدتها هذه الرحلة على ترسيخ إيمانها بأن تمكين المشاركين نفسيًا يمكن أن يغيّر ليس فقط أداءهم اللغوي، بل أيضًا هويتهم وثقتهم بأنفسهم وممارساتهم المهنية المستقبلية. ومن خلال هذه الرحلة، استطاع المعلمون المستقبليون أخيرًا أن يبدأوا فعلًا في “التحدث دون خوف”.