أ. نُور حمدان – عجائب سوريا السبع

المقدمة

نُور حمدان، معلمة لغة إنجليزية كلغة أجنبية من سوريا، وتحديدًا من مدينة حمص، تحمل درجة الماجستير في تعليم اللغة الإنجليزية (ELT)، وتعمل مع طالبات المرحلة الثانوية. من خلال خبرتها المهنية في تدريس اللغة، سعت إلى استكشاف أساليب أكثر تفاعلًا وعمقًا تتجاوز الطرق التقليدية، ومن خلال تعرّفها على إطار FIRST-ADLX، بدأت في إعادة تصميم دروسها لتصبح تجارب معايشة تعليمية أعمق.

في صفها الدراسي، لاحظت نور أن دروس القراءة—وخاصة تلك التي تعتمد على النصوص المعلوماتية—غالبًا ما تقتصر على أساليب الفهم التقليدية، حيث يركّز الطالبات على استخراج الإجابات بدلًا من بناء ارتباطات ذات معنى. وقد أدى ذلك إلى ضعف في التفاعل، حيث تتعامل المتعلمات مع المحتوى بشكل سطحي دون تكوين ارتباط شخصي أو عاطفي معه.

تم تنفيذ هذه الرحلة التعليمية في بيئة مدرسية ثانوية في مدينة حمص، واستهدفت 25 طالبة. تتشارك المشاركات خلفية ثقافية واحدة، وكان لديهن إمكانية الوصول إلى موارد صفية أساسية مثل الأوراق، والملاحظات اللاصقة، وأدوات الكتابة. تمحور اللقاء حول نص قرائي بعنوان “عجائب سوريا السبع”، بهدف تحويله إلى تجربة معايشة تربط المعرفة بالهوية والانتماء والفخر.

تصميم تجربة المعايشة وتسلسل الأنشطة

اختارت نور إطار FIRST-ADLX لأنها أرادت الانتقال من الفهم القرائي التقليدي إلى بناء ارتباط عميق ونشط وشخصي بين الطالبات وتراثهن السوري. لم يكن هدفها فقط أن تعرف الطالبات هذه العجائب، بل أن يشعرن بالفخر بها، ويفهمن أهميتها، ويربطنها بهويتهن الشخصية.

تم تحديد مخرجات التعلم لهذه الرحلة بوضوح على النحو التالي:

  • المخرجات الوجدانيّة: أن يقدر غنى التراث السوري وفهمه وتقديره
  • المخرجات المهاريّة: أن يستخرج المعلومات الأساسية، أن يعبر عن الأفكار بوضوح، أن يستمع للآخرين ، أن يبحث عن المعلومات وينظمها
  • المخرجات المعرفيّة: أن يصف الخصائص الأساسية لكل معلم
  • مخرجات الأداء: أن يعبر عن الأفكار ويقدمها بثقة

تسلسلت الأنشطة في لقاء تعلم حضوري مدته 45 دقيقة، مقسّم إلى أربع مراحل رئيسية: التهيئة (Activate)، الاكتشاف (Discover)، الربط (Link)، والتوسّع (Extend). بدأت الرحلة بنشاط تهيئة باستخدام خريطة وملاحظات لاصقة، تلتها مرحلة الاكتشاف حيث عملت الطالبات ضمن مجموعات خبراء لإعداد بطاقات “العجائب” والمشاركة في نشاط “المعرض المتجول” باستخدام جوازات الاكتشاف. ثم جاءت مرحلة الربط التي تضمنت مناقشة صفية وبناء خريطة مفاهيم، واختُتمت بمرحلة التوسّع من خلال مهمة “ترشيح عجيبة سورية” عبر العمل الثنائي وبطاقة خروج. وقد انتقل التسلسل من التفكير الفردي إلى العمل الجماعي، ثم إلى التفاعل الصفي، وأخيرًا إلى التأمل الفردي، مع مراعاة التوازن بين الأنشطة عالية الطاقة والأنشطة التأملية.

نشاط تعلمي باستخدام نموذج RAR (المعرض المتجول)

تمت تهيئة المشاركات لهذا النشاط من خلال تعريفهن بالأدوار (مرشدة وزائرة) وآلية التنفيذ والزمن المحدد لكل محطة، والذي بلغ دقيقة واحدة لكل عرض. كما تم تقديم نموذج عملي يوضّح كيفية عرض “العجيبة” وكيفية تعبئة جواز الاكتشاف، مما ساهم في رفع جاهزية المشاركات وثقتهن للمشاركة الفعالة.

خلال تيسير النشاط، شاركت الطالبات بفعالية في عرض واستكشاف العجائب المختلفة، حيث قامت بعضهن بدور المرشدات لعرض بطاقات العجائب، بينما تنقلت الأخريات كزائرات بين المحطات، يستمعن ويدوّن ملاحظاتهن في جوازات الاكتشاف. وخلال ذلك، تم تقديم الدعم من خلال المتابعة المستمرة، والتشجيع، والتوضيح عند الحاجة، مع التأكد من مشاركة الجميع، حيث كانت جميع المرشدات يتحدثن وجميع الزائرات يكتبن، كما تم تعزيز الأداء الإيجابي من خلال الثناء.

في مرحلة المراجعة النشطة، تم توجيه المشاركات للتأمل من خلال أسئلة موجهة، حيث فكّرن في أكثر معلومة أثارت اهتمامهن، ثم تأملن في المعاني من خلال اكتشاف القواسم المشتركة بين العجائب المختلفة، وأخيرًا نظرن إلى المستقبل من خلال تحديد شيء جديد تعلمنه وكيف ساهم في تعميق فهمهن، مما عزز الوعي الذاتي والتطبيق المستقبلي.

تطبيق مجالات FIRST

F – التركيزعلى المتعلم

تم تصميم التجربة بحيث يكون المتعلم في مركزها، حيث لم تكن الطالبات مستمعات سلبيات، بل مشاركات فاعلات يقرأن، ويناقشن، ويصممن، ويقدمن، ويتحركن، ويكتبن، ويتشاركن. كما بدأت الرحلة من معارفهن السابقة خلال مرحلة التهيئة، مما أتاح لكل طالبة أن تعبّر عن أفكارها الخاصة حول سوريا، وعزّز الإحساس بالملكية والتخصيص.

I – التفاعل الإيجابي أثناء تجربة المعايشة

تم بناء ديناميكية إيجابية داخل المجموعة من خلال تقدير جميع الأفكار خلال مرحلة التهيئة، حيث لم تكن هناك إجابات خاطئة على الملاحظات اللاصقة. كما عملت الطالبات ضمن مجموعات خبراء بأدوار واضحة ومنتج مشترك (بطاقة العجيبة)، مما عزز التعاون والاحترام المتبادل وخلق بيئة اجتماعية داعمة.

R – مراجعة الأنشطة -نموذج رار

تم دمج المراجعة بشكل مستمر خلال التجربة، خاصة أثناء وبعد نشاط المعرض المتجول، حيث تم توجيه المشاركات للتفكير فيما عايشوه، واكتشاف الأنماط المشتركة، والتعبير عن تعلم جديد، مما عمّق الفهم وربط التجربة بمعانٍ ذات قيمة.

S – التسلسل والإنسيابية أثناء تجربة المعايشة

اتبعت الرحلة تسلسلًا واضحًا ومنطقيًا عبر المراحل الأربع: التهيئة، الاكتشاف، الربط، والتوسّع. وتم توزيع الوقت بعناية ضمن مدة 45 دقيقة، مع وضع النشاط عالي الطاقة (المعرض المتجول) في المنتصف، والأنشطة التأملية في النهاية. كما انتقل التعلم من الفردي إلى الجماعي ثم إلى التفاعل الصفي وأخيرًا إلى التعبير الفردي، مما عزز الانسيابية والتفاعل.

T – تحويل التعلّم إلى آداء واقعي ملموس

تم تحويل التعلم إلى أداء ملموس من خلال إنتاج مخرجات حقيقية مثل بطاقات العجائب، وجوازات الاكتشاف، وفقرة الترشيح. وقد ساهمت مهمة الترشيح بشكل خاص في ربط التعلم داخل الصف بالتراث السوري الواقعي، مما أتاح تطبيق المعرفة بطريقة أصيلة وذات معنى تتجاوز حدود الصف.

الخاتمة

ظهر أثر هذه الرحلة التعلّمية على عدة مستويات. فعلى مستوى المشاركات، تحوّل الصف إلى ورشة عمل نشطة، حيث انخرطت الطالبات في القراءة والنقاش والإنتاج. وقد عبّرت إحدى الطالبات قائلة: “لم أكن أعلم أن أوغاريت عمرها 6000 سنة، أود زيارتها يومًا ما”، وهو ما يعكس الفضول والارتباط العاطفي. أصبحت الطالبات مشاركات فاعلات يتحملن مسؤولية تعلمهن، وانتقلن من تلقي المعلومات إلى إنتاجها وعرضها وتطبيقها، كما ظهر في بطاقات العجائب.

أما بالنسبة لنور، فقد مثّلت هذه التجربة نقطة تحوّل في أسلوب تيسيرها، حيث عززت ثقتها بالأساليب المتمركزة حول المتعلم، وانتقلت من التركيز على تغطية المحتوى إلى تصميم تجربة معايشة متكاملة، ولاحظت أن الطالبات لم يكتفين بحفظ المعلومات، بل أصبحن يفهمن المفاهيم ويربطن بينها.

وعلى مستوى أوسع، ساهمت التجربة في تعزيز شعور الفخر بالتراث السوري لدى الطالبات، وهو أثر يمتد إلى ما بعد الصف الدراسي. وفي الختام، فإن تطبيق إطار FIRST-ADLX حوّل درسًا قرائيًا بسيطًا إلى تجربة معايشة عميقة وذات معنى، حيث لم تتعلم الطالبات عن مواقع تاريخية فقط، بل ارتبطن بتراثهن، وعبّرن عن فخرهن، وأنتجن أعمالًا تعكس فهمًا حقيقيًا.

Write a comment